المدينـة.. حنيـن إلـى طبيعـة مفـقـودة

المساحات الخضراء تغيب في بيروت لصالح الأبنية الحديثة.غيتي 
  
لم يتبقَ من بيروت سوى أزرقها، فالأبنية باتت تطبق على المدينة، وقد قضمت كل أخضرها، حقلاً بعد حقل، حتى إن منظر البحر بات حكراً على طبقة أرستقراطية دون غيرها، حجبت أبنيتها الشاهقة مرأى أمواج المتوسط. 

 

نتساءل في مدينة يعلو فيها الإسمنت، حتى يكاد يقطع الأنفاس ويقصِّر مدى النظر، هل يمكن أن يتنفس فيها الشعر والرواية والفنون عامة؟ هل يمكن، لمدينة تضيق فيها المساحات الجغرافية وتتقلص طبيعتها على حساب عمارة الأبنية العشوائية، أن تصنع فناً مرهفاً؟ وكيف أثر هذا الاجتياح العمراني للمدينة، بكل ما يحمله من تعبير عن تحولات سياسية واقتصادية واستهلاكية وثقافية، في أسلوب الشعراء والأدباء والفنانين واختيارهم لموضوعاتهم؟ وهل يختلف تأثير البناء المديني بين أعمال ابن الريف وابن المدينة؟ 

 

توجهنا في تساؤلاتنا هذه إلى كتّاب، شعراء، وفنانين. منهم من تحدر من جذور ريفية فأثرت قسوة الباطون المديني في أعماله، وبقي محتفظاً بحنين وذكرى للطبيعة، ومنهم من كانت بيروت مسقط رأسه، ومجمع ذكرياته، لا تجتذبه الطبيعة، ولا يزعجه غيابها كثيراً.

 

اختفاء الطبيعة
 يتحسر الفنان حسن جوني على غياب الطبيعة من مدينة بيروت، وهو ابن الريف، يسكن في المدينة، يقول: «لا أرى أشجاراً في بيروت، لقد غاب العنصر الأخضر فيها». ويضيف مبيناً كيف أن اختفاء الطبيعة في بيروت يطبع أعماله: «اختفى الشجر من أعمالي، حتى عندما أرسم شجراً فلا أخط إلا بقايا منها، وكذلك عندما أرسم الناس أجدهم يشبهون الحجر». تتلاشى الطبيعة شيئاً فشيئاً في أعمال جوني، وفي ريشته غُصة وحنين لها، وشيء من الأسى لفقدانها. في المقابل، لا تعير الفنانة ريم الجندي، ابنة بيروت، اهتماماً للطبيعة في أعمالها الفنية، «الطبيعة غير موجودة في أعمالي أبداً، لا أتخيل أني أرسم طبيعة، رسومي مدينية في غالب الأحيان». 

 

تختلف النظرة إلى الطبيعة بين الفنانين باختلاف علاقتهما بها، فجوني ابن الريف يحفظ في وجدانه ذكرياته الريفية، التي تنقلت بين أشجار قريته وأزهارها، فهي جزء من كيانه وعلاقته بها قديمة، ويطمح دائماً إلى زاوية مخصصة بالطبيعة في أعماله. أما الجندي، فعلاقتها بالطبيعة لا تتخطى أياماً معدودة قد تقضيها في العطلة، ولا ارتباط للذاكرة بها. على ضفة أخرى من الفن، نتساءل هل تنسجم الإيقاعات الموسيقية مع المشهد الإسمنتي لمدينة بيروت؟ يعتبر عازف الكمان والمؤلّف الموسيقي نداء أبو مراد «أن أبنية بيروت العشوائية تضفي بشاعة في الشكل على المدينة، وتشكل مصدر إزعاج وتوتر لا يسهمان في عملية الإنتاج الفني الموسيقي»، وفي هذه الحال يعتبر أن للطبيعة أهمية ودوراً في تأمين الجو الصافي والهادئ للأداء المنسجم والقيّم. 

 
في الشعر، يحتضن الشاعر شوقي بزيع الطبيعة بين أوراقه وأقلامه، فالطبيعة تسكنه، وتجول أطيابُها في ربوع مخيّلته، لا يغيّبها من قصائده لمصلحة المدينة الإسمنتية، الطبيعة لا تفارقه رغم السنين التي قضاها ويقضيها في المدينة. يقول: «علاقتي بالطبيعة متينة، هي دائماً حاضرة حتى وإن حضرت في قصائدي موضوعات أخرى غيرها». ويعيد ذلك العشق للطبيعة إلى عيشه في قريته زبقين، حيث الطبيعة فيها مكثفة، ملأى بالأشجار والأزهار والينابيع، ومطلة على البحر والجبل. ويضيف «رغم أني أعيش في المدينة منذ عام 1982، لم تجذبْني يوماً لتكون موضوعاً في قصائدي، قد أمرر إشارات عنها ليس أكثر». تتحول الطبيعة عند بزيع إلى كائن حي، إذ تنتحل في بعض الأحيان شخصية الأنثى، مشبهاً إياها بامرأة ناعسة متمايلة، في ديوانه «صراخ الأشجار».

 

الإسفلت مادة كتابية
مقابل الرهافة، والنعاس، وجذوع الزنزلخت في شعر بزيع، يطل شعر مديني، يشكل الإسفلت فيه مادة كتابية، يقول الشاعر فيديل سبيتي في قصيدته «في بيروت»: في بيروت تحت قوس النصر المرتفع دوماً، أسير وحذائي غارقٌ بالإسفلت، أهوّم تحت قوس النصر، طفل يلعب بالفيديو، وأنا بطل الفيلم الخائب، بلسان مدلى ويدين مربوطتين، وقدمين مغروزتين بالإسفلت». 

 

أثارت المدينة حفيظة الكثير من الكتاب والشعراء، منذ نشأتها، سواء بمنحى إيجابي أو سلبي. يقول فيها، الشاعر الفرنسي  بودلير عندما صعد إلى هضبة «مونمارتر» في باريس، إنه من هناك: «يمكن تأمل المدينة، بكامل سعتها، مستشفى، مطهر، جحيم، معتقل» كان بودلير واحداً من الذين أسسوا شعر المدينة متناولاً إياها بصورة سلبية، سواء على صعيد أبنيتها، والفوضى والضوضاء والبؤس أو العلاقات فيها.. على أن شاعراً آخر في الطرف الثاني من العالم وقف ينشد للمدينة شعراً نقيضاً لشعر بودلير، اذ راح الشاعر والت ويتمان الأميركي ابن مدينة مانهاتن، وزمنه قريب من زمن بودلير، يقول عن المدينة إن فيها «المغنية الطاهرة تغني على نغمات الأرغن، والبخار يسوي خشبته، وحديد المقشطة يزقزق في صفير ماء يرتفع».

 

كما شكلت المدينة صدمة مدينية عند بعض الكتاب والشعراء العرب النازحين من الريف إلى المدينة، باعتبارها حلماً وفرصة للتقدم والتطور، يمكننا الاستشهاد بقول للشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي إثر نزوحه من قريته إلى القاهرة، يصف فيه صدمته من الحياة المدينية: «الإنسان ضئيل والعمارات عالية، هذا ما تضمنه شعري الذي كتبته خلال الفترة الأولى التي قضيتها في القاهرة، البراءة في مواجهة العنف والقوة المستفحلة لكل ما هو آلي وصناعي ومصطنع، لا شجر ولا زهور ولا حقول بالمدينة».

 

المدينة في المسرح
لقد أصبحت المدينة، بأبنيتها وسياساتها واقتصادياتها موضوعاً للمسرح في لبنان حسبما يؤكد المخرج المسرحي روجيه عساف الذي رغم حبه للمدينة، يشدّد على أهمية وجود مساحات وحدائق بين الأبنية في المدينة، إذ يزعجه الشكل العشوائي لها، وفي رأيه فإن ذلك يؤثر سلباً في حياة اللبناني. يستشهد عساف بجملة من مسرحيته عرضت أخيراً في دمشق، بعنوان «بوابة فاطمة»، وهي تتضمن مقارنة بين العيش في المدينة والعيش في القرية، تظهر المسافة المدمِّرة بينهما، ليؤكد أهمية وجود مساحات في المدينة، فيقول: «إذا قضى الفرد ساعة على شرفة في الريف يسرح في المدى، بعكس الساعة التي يقضيها على شرفة في بيروت»، ويشير إلى أن البناء أصبح مادة للتعبير والتمثيل في مسرحياته.  


يتفق قعبور وعساف على أن قضم الطبيعة في بيروت وحلول الإعمار المديني العشوائي مكانها، هو نتيجة حتمية للحرب اللبنانية وخطوط التماس، والتحولات السياسية والاقتصادية فيها المرتبطة بالتحولات الحاصلة على صعيد العالم. إذا تحدثنا عن المدن العربية على سبيل المثال، فهي تشهد تزايداً ملحوظاً في عدد الأبنية على حساب المساحات الخضر فيها، وازدحاماً شديداً، وانقساماً حاداً في وضع سكانها الطبقي، وقد ازدادت الفوارق المعيشية بين فئاتها وشرائحها الاجتماعية، فتكاثرت عشرات الضواحي المتنافرة التي تفتقر الى جمال المدن القديمة.

 
كما تغيرت القيم فيها واكتسبت طابعاً استهلاكياً، هي حاصل جمع الصلات بين العالم المعاصر شرقاً وغرباً. وفي هذا الإطار يقول الشاعر الفلسطيني محمود درويش في قصيدته «بيروت» : «بيروتُ أسواقٌ على البحرِ، اقْتِصادٌ يهدِمُ الإنتاجَ كي يبْني المطاعمَ والفنادقْ، دولة في شارع أو شقّةٍ، مقهىً يدور كزهرة العبّاد نحو الشمس».

 
المدينة ملهمة
تشكل الطبيعة حافزاً وملهماً، والمكان الأكثر صفاءً وهدوءاً بالنسبة إلى الفنانين والأدباء من أبناء الريف، فيلجأون إليها من حين إلى آخر ليدخروا إلهاماتهم ويحملوها معهم إلى صحراء الإسمنت بيروت. الطبيعة عند جوني أُنس وشفافية: «أتردد إلى قريتي، كلما استطعت ذلك، لأتزوّد باللون الصافي، لأتذوق سيمفونية الريف، التي تضفي نوعاً من الشفافية على أعمالي، أبحث عن أنس في قريتي يغنيني عن جفاف المدينة».

 

كذلك الشاعر بزيع، رغم أنه لا يجد مراءً في نظم الشعر وسط الطبيعة، فهو يستلهم من فقدانه لها أبياتَه، يقول: «الشعر هو استرداد لما فقدناه عبر اللغة، استرداد لعالمٍ أصبح خلفنا عبر الكلمات، ولأني فقدت القرية وفقدت الطبيعة أكتب عنها».

 

ويضيف: ديوان «صراخ الأشجار» «عبارة عن مساررة بيني وبين تلك الكائنات، فهي تسكنني وأنا أسكنها منذ لحظة نزوحي إلى المدينة». يرى أبو مراد في سُكنه خارج بيروت، وعمله في إطار بيئي قريب من الطبيعة، بعيد عن الحداثة، لا سيما الشكل البشع الذي تخلفه أبنية بيروت العشوائية في عمارتها، ما يحــسّن حياته وشروط عطائه الموسيقي. مؤكــداً أن «الإنتاج الفني يحتاج إلى هدوء وسكينة وتناغم في المحيط، والموسيقى التي أحملها في طيّاتي تتطلب إطاراً منفرجاً ومتلطفاً لتفعيلها».

 

وفي المقابل، تلعب المدينة بتوتراتها وتقلباتها وانفتاحها وتنوع أجناسها وعلاقاتها، دوراً ملهماً وحافزاً لتحدي الصعاب فيها، لاسيّما لمن وفد إليها منذ نعومة أظفاره أو لمن كانــت مسـقط رأسه. فقد شكلت بيروت بالنسبة إلى الشاعر سبيتي مفصلاً شعرياً في حياته، وكانت الحافز الأساسي لخروج الصور الشعرية من ذهنه، يقول: «المدينة، بما تولده من توتر وقلق، وطموح، إضافة إلى تنوع العلاقات فيها، شكلت لي دافعاً لأنطلق بنظم الشعر». كما أنه يعتبر موضوع الطبيعة قديماً وبعيداً عن الحياة في المدينة وبعيداً عن الواقع المعاش، ويعتبر أن أهمية الشعر في تمثيله الواقع، لا في تغريده في مكان آخر. يقول في هذا الصدد: «أستغرب عدد الأشجار والفراشات والطيور التي ترد في قصائد شعراء يعيشون في قلب المدينة وأبنيتها الإسمنتية».
 

تقلص الرومانسية
رغم تقلص الرومانسية في أعمال فناني الريف والمدينة واعتبارها بشكل عام موضوعاً قديماً، نجد أنها ما زالت حاضرة ـ إلى حدٍ ما ـ في أعمال ابن الريف، ويميل الفنان الريفي إلى أن يكون وجدانياً ورومانسياً أكثر من ابن المدينة، مثلما أشار حسن جوني في تقصده مكاناً هادئاً بحثاً عن الأنس والشفافية، أو الشاعر شوقي بزيع الذي يعود بوجدانه إلى ذكريات الطبيعة، يقول: «الشعر هو استحضار الأشياء بعد فقدانها، فالأشياء الحاضرة لا لزوم لاستحضارها في الخيال»، ورغم أن  الموسيقي نداء أبو مراد لا يربط بين الفن والرومانسية، إلا أنه يجد في الطبيعة مصدر هدوء، «من المؤكد أن للطبيعة دوراً في الإنتاج الرومانسي، لكن العمل الموسيقي لا يرتبط بالرومانسية بأي شكل من الأشكال، مع ذلك تبقى الطبيعة مهمة كإطار يدعو إلى السكينة والصمت، بعيداً عن بشاعة الحداثة العشوائية وضجيجها.  
* تنشر بالتزامن مع صحيفة «السفير» اللبنانية

طباعة