الحسد بين الوهم والحالة النفسية


ينتشر في ثقافات عدة الاعتقاد بالحسد، خصوصا في المجتمعات القديمة. وعلى الرغم من دخول البشرية القرن الحادي والعشرين، والتطور التقني الهائل، إلا أن الاعتقاد بضرر الحسد لا يزال منتشرا في مجتمعات عمدت إلى اتباع تعاليم خاصة،  بحثا عن طرق لتفادي الإصابة بآثار الحسد. 

وبينما يري أن الحسد وهم، يعتقد آخرون أنه طاقة سلبية تؤثر في الإنسان والاشياء، بينما يعتبره آخرون  حالة نفسية ضارة.  وقديما، استخدم الانسان تعاويذ ورقى وأحجبة كان يعتقد أنها تقيه  شرور الحاسد.

يعرف أستاذ علم النفس في جامعة الإمارات، الدكتور أحمد عبدالعزيز النجار الحسد بأنه «حالة نفسية سلبية تدفع الحاسد إلى التفكير بطريقة المقارنة الكارهة للواقع الذي يعيشه، فهو يرى أن ما يحصل عليه الآخرون لا يستحقونه، وأن المستحق الأصلي هو نفسه. وعليه فإن ما يصيبه من خير فهو الأفضل، ولا يرضى بذلك للغير». ويؤكد «هذا التفكير ضار جداً لتأثيره الكبير في النفس، ومساهمته في نمو مشاعر القلق والحقد على الواقع الذي يعيشه، ويدفع به أحياناً إلى الغضب والأنانية والكراهية».

ويضيف «ذكرت دراسات نفسية إلى أن من لديه درجة أعلى من المتوسط في حسد الغير، هو إنسان يقع في دائرة التعرض للأمراض النفسية والاضطرابات الذهنية، بحكم أنه يستثير في قلبه تلك المشاعر السلبية. ومع مرور الوقت، يفقد الحاسدون التفاعل في سبيل بناء مجتمعهم، فلا يتجهون نحو تحقيق أهدافه، وينشغلون بحل تمشكلاتهم الداخلية»، مشيرا إلى أن دراسات أوضحت أن «الحسد من أسباب انهيار الأمم». ويضيف أن «الحسد يؤدي إلى ما يسمى بـ(العين) التي تؤدي  كما ذكر ديننا الإسلامي إلى تضرر الطرف الآخر».

صفات الحاسد
يقول النجار «للحاسد صفات عدة، أهمها النرجسية العالية والمتمثلة بحب الذات الزائد، والقناعة بالنفس المبالغ فيها، وثقة غير مبررة بالقدرات مصحوبة بقصور في المهارات الاجتماعية والفنية، فهو لا يستطيع أن ينجح لجهده وإنما من خلال أفكاره الذاتية». ويضيف «بدأت دراسات تبين أن الحاسد بعيد عاطفياً عن الآخرين، تشعر شخصيته بالغربة الاجتماعية والنفسية وأحياناً يكون لديها ميول عدوانية وسلبية، لإيذاء الغير أو حب الإيذاء للغير، حيث يفرحون حين يصاب  المنافس لهم بالفشل، ويحزنون لنجاحه. وأحياناً يتجهون إلى الخداع في سبيل النجاح ولا يرون بأسا في ذلك».

ويمكن التعرف إلى الحاسد، كما يذكر النجار، من خلال «سلوكه أو ردود أفعاله تجاه نجاحات الغير، والمتمثلة في فلتات اللسان أو النظرات أو الإشارات أو الحركات، والتي يمكن من خلالها أن نعرف الشخص المحب الذي يتمنى الخير لغيره أو خلافه».

ويقول «لتفادي الحسد يقوم المسلمون عادةً باتباع تعاليم دينهم  الحنيف بقراءة الرقية الشرعية (المعوذات) التي تقي من الحسد، وترديد جملة (ما شاء الله)، و(الله أكبر)».

علاج
عن طرق علاج الحسد، يقول النجار «هناك علاج لطرفي الحسد، فالحاسد إذا ما أدرك مرضه، يتم علاجه لتغيير مسارات التفكير الخاطئة لديه، وذلك من خلال الطب النفسي، أما المحسود فيتم علاجه بما وراء علم النفس (الباراسيكولوجي)، وهو علاج الطاقة».

ويقول المفتي الأول والمشرف على موقع فتاوى الإنترنت في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي، الدكتور علي مشاعل، إن الحسد «مرض يقع فيه الناس نتيجة مخالفتهم لأمر الدين، وحبهم للدنيا ومشاغلها، فيحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، ولو آمنوا بالقضاء والقدر لما وقعوا فيه». ويوضح ان «الحسد هو تمني زوال النعمة عن الآخرين، وهو أمر محرم ومذموم، وفيه اعتراض على الله تعالى «أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله»، وهذه الآية استنكار للحسد الذي نراه اعتراضاً على الله في قسم الأرزاق وتوزيع النعم، فهو الحكيم جل جلاله الذي يفعل الأشياء لحكمة بالغة لا يدركها كثير من الناس. وقد نزلت هذه الآية في اليهود الذين حسدوا النبي صلى الله عليه وسلم على نعمة النبوة والقرآن الكريم، ولأنه كان من العرب ولم يكن من بني إسرائيل، والله يجتبي من يشاء، والنبوة والرسالة والعلم والحكمة، كلها من فضل الله الذي يؤتيه  من يشاء من عباده».

عواقب 
ويذكر مشاعل عواقب وخيمة للحسد، فهو «يهدم الحسنات ويخفض الدرجات ويضعف الإيمان، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب»، وقيل «لله در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله»، و«وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود، ولولا اشتعال النار في ما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العود». مؤكداً «لا يحسد كريم النفس وحسن الخلق وقوي الإيمان، إنما الذي يحسد البخيل المريض والحقود والضعيف النفس وسيئ الأخلاق، فالحسد في أصله وحقيقته يتنافى تماماً مع الإيمان والأخلاق الحسنة، ونفع الآخرين والسعي إلى إفادتهم».  
جواز الحسد
ويضيف مشاعل أن «الغبطة تشتبه الحسد، حيث إن صاحب الغبطة يتمنى أن يكون له من النعمة ما عند الآخرين،  إلا أنه لا يتمنى زوالها عنهم، ولا تجوز الغبطة ولا الحسد إلا في أمرين هما فهم القرآن وحفظه وعلومه، والمال الصالح وإنفاقه، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا حسد إلا في اثنتين، رجل آتاه الله القرآن فهو يعلمه الناس»، وفي رواية أخرى «رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس، ورجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته بالحق»، وفي رواية «فهو ينفق منه هكذا وهكذا».

هوس 
تقول شمسة محمد (موظفة)، «تعرفت في المرحلة الجامعية الى صديقة تؤمن بالحسد لدرجة الهوس، وترجع السبب في جميع الأمور التي يتعذر عليها القيام بها بنجاح إلى الحسد». وتكمل «هذا ما ظهر لي جلياً في إحدى المرات التي تغيرت فيها، حيث كانت تمر بحالة نفسية عصيبة ولا ترغب في الدراسة وتشعر بأنها لا تملك القدرة على إكمالها، وأعربت لي عن خشيتها أن تكون محسودة، فأكدت لها أن العين حق، وقد  ذُكرت في القرآن والسنة، إلا أنه يجب ألا نرجع كل أخطائنا وظروفنا النفسية الصعبة إليها». وتضيف «لم تأبه لكلامي ووجدتها شيئاً فشيئاً تبتعد، وتتهرب مني، ولا ترغب في الحديث معي. حاولت جاهدةً محادثتها دون فائدة».

حسود قريب
تقول سعاد محمد  (موظفة)، «أصعب شيء أن تكتشف أن إحدى أقاربك التي تصادفها في كل المناسبات السعيدة والحزينة حسود، تلحق بك الضرر عن سبق إصرار وترصد»، وتكمل «لا أشعر أنها تتمنى الخير للآخرين، وترغب في امتلاك كل ما يملكه الغير، حتى لو لم تكن بحاجة إليه، وإذا وقعت عيناها على شيء في يد غيرها وأعجبها لا تذكر اسم الله  عليه، ولا تقول جملة (ما شاء الله)، الأمر الذي كشف لي حسدها، فضلاً عن زلاتها المتكررة في النظرات والتصرفات، وأثر حسدها الذي غالباً ما يكون فتاكاً».

 وتكمل «فإذا ما ألقت نظرها على شيءٍ أعجبها لا يدوم طويلاً فإما أن ينكسر أو يلحق به الأذى لاسيما الذهب، وفي إحدى المرات لم تذكر اسم الله حين رأت إحدى بناتي، الأمر الذي ألحق الضرر بوجهها، فمنذ ذلك اليوم أعمل أنا وأسرتي على إخفائهن عنها بقدر الإمكان، وعدم إظهارهن بزينتهن أمامها».
 
خوف 
تقول شمة عبدالله (موظفة)، «أخاف كثيراً من الحسد، لاسيما أنني موظفة متميزة في مجالي وأسعى بجدٍ واجتهاد إلى إثبات ذاتي، وتنمية مهاراتي، وهذا ما يظهر جلياً للجميع». وتكمل «ما إن أسمع كلمة إطراء  من أهلي وصديقاتي وزملائي في العمل، حتى تجدني على الفور أتمتم في داخلي بالقول (ما شاء الله والله أكبر)، لخوفي من الحسد، على الرغم من أنني أقوم بقراءة المعوذات لتجنبه».
 
عين ضارة
وتقول هيفاء عبدالله،(موظفة)، ان «لعين الحاسد تأثيراً ضاراً في الشخص المحسود، وهذا ما تعرضت له شخصياً أثناء دراستي في كلية الطب، ففي أحد الأيام قبل دخولي الامتحان بدقائق، رأت إحدى زميلاتي كثرة الصفحات التي انتهيت من دراستها، فارتسمت ملامح الذهول على وجهها، وعبرت لي عن استغرابها». وتكمل «فور خروجي من الامتحان، فوجئت بسؤال صديقتي عن أحد الأسئلة التي لم أرها في ورقة الامتحان، رغم أن صديقتي أكدت لي أنه كان أول سؤال، وعليه خمس عشرة درجة».
 
حرق الاسم  

 يقول أستاذ علم النفس في جامعة الإمارات، أحمد عبدالعزيز النجار «كل المجتمعات باختلاف أديانها تؤمن بالحسد. وتعتبر أن قلب الحاسد يشكل خطراً كبيراً عليها، لذا عملت الثقافات الإنسانية منذ عهد الفراعنة على البحث عن طرق للتعامل مع الحسد والحاسد، فالمصريون القدامى يقومون بإمساك الخشب، ويقوم بإبراز كف اليد في وجه الحاسد بالقول «خمسة وخمسية». والمسيحيون يقومون بتعليق حدوة فرس، وعين زرقاء أو خرزة زرقاء. اما البابليون فكانوا يعلقون الخرزة الزرقاء وكذلك السوريون، أما الأتراك فيقومون بحرق رصاص على رأس المحسود. ويربط الخليجيون يقومون بربط ثوب الحاسد، وحرق اسمه، وشرب الماء من ورائه، وإخفاء الأطفال عنه كي لا يقوم بحسدهم وإلقاء الضرر بهم، وحرق «الشبة». اما الباكستانيون فيقومون بربط قماش أسود لتجنب عين الحاسد.   
 
طباعة