| همست في أذن زميلي العزيز ظاعن شاهين فور وصولنا إلى مدينة جوتنبرغ السويدية الجميلة، ممازحاً: «فعلاً، الشعب السويدي ثري ومرفّه كما سمعت». سألني: «وكيف عرفت ذلك؟» فقلت: «ألم تلاحظ أن جميع لوحات السيارات في المدينة «ثلاثية» الأرقام»!
وبعيداً عن هذه المزحة، فمملكة السويد هي فعلاً إحدى أكثر دول العالم رخاءً وجمالاً. ويتجاوز الناتج المحلي الإجمالي لها الـ300 مليار دولار، بفضل اقتصادها القوي، وصناعاتها الخفيفة والثقيلة. كما أن السويد هي إحدى أكثر الدول التي تطبّق برامج للرعاية الاجتماعية توفر للشعب كثيراً من المزايا والامتيازات. ولكن، مع هذا الرفاه كله، يلاحظ زائر هذا البلد، وجود مسحة واضحة من الحزن على ملامح الشعب السويدي، ملامح السعادة تختفي من وجوه مَن ترمقهم في الأسواق، والمراكز، وأماكن المشاة.. هذا الاستنتاج أثبتته الحقيقة، فالسويد تعتبر أعلى دولة في العالم بأسره في نسب حالات الانتحار، ويبلغ معدل الذين يزهقون أرواحهم بأيديهم 1500 شخص سنوياً، في الوقت الذي يموت فيه 600 شخص فقط جراء الحوادث المرورية! والغريب، بل الغريب جداً، أن المشكلات المالية لم تكن أبداً سبباً في الانتحار، فالشعب مرفّه، ويعيش في رخاء، ووسط ظروف مالية جيدة، حيث لا يوجد فقراء سويديون. ولكن السبب الرئيس للانتحار هو الملل، والفراغ! وتحاول مختلف المؤسسات الاجتماعية والنفسيّة في السويد دراسة هذه الظاهرة المتفشّية وسط الشباب، في محاولة لوضع حدّ لها. وكان الاعتقاد السائد أنّ موجة الانتحار تكثر في فصل الشتاء، حيث الغياب شبه الكامل للشمس، والظلمة الحالكة، والبرودة غير المحتملة. ولكن دراسات عدة عن ظاهرة الانتحار، دحضت هذا الاعتقاد، وأكدت أنّ عدد المنتحرين في فصل الشتاء مساوٍ لعدد المنتحرين في فصل الصيف أو غيره من الفصول. والأغرب من كل ذلك أنّهم اكتشفوا وجود رغبة في الانتحار حتى عند التلاميذ الصغار في المدارس. والدراسات التي حلّلت نفسية المنتحرين، وقدمت ما كتبوه من رسائل يبررون فيها إقدامهم على وضع حدّ لحياتهم، كشفت أنّ أسباب الانتحار موزعة بين التيه والضياع والرتابة والملل وخيانة الحبيبة، والعيش بلا رفيقة أو رفيق، وبكلمة واحدة: الفراغ! بعد هذا كله، قررنا أنا وزملائي أن نكون أكثر حذراً في التعامل مع السويديين، وعدم المساس بهم وبنفسياتهم خوفاً عليهم من الانتحار، فربما أدى دهسي قدم أي منهم بالخطأ، إلى مضاعفة الاكتئاب عنده، فينتحر أمامي، أو يطلب ظاعن شاهين من «الجرسون» «غرشة كاتشب» وشريحة ليمون في الوقت نفسه، فيعتبر «الجرسون» ذلك أمراً فوق طاقته، فيضع حداً لحياته فوراً، ولربما يساوم زميلنا أحمد الحمادي، بائعاً لشراء قميص منتخب السويد، فلا يعجبه السعر، وهذا كفيل بأن يجعل حياة البائع معقّدة، إلى درجة تدفعه إلى التفكير في وضع حد لها! لا تستغربوا ذلك إطلاقاً، فالمسألة ليست مزحة، لقد شملت موجات الانتحار في السويد شخصيات تتمتع بمستويات ثقافية عالية، بضمنهم كتّاب ومبدعون، ومنهم الكاتب السويدي الشهير وليام موبيري الذي أصبح عاجزاً عن الحياة لأنه «أصبح عاجزاً عن الكتابة» كما قال في وصيته! reyami@emaratalyoum.com |