فن صناعة المشاكل
|
|
|
|
كان غريباً أن يفتعل الإنسان لنفسه مشكلة ثم يبذل بعد ذلك من وقته وجهده وماله بحثاً عن حل لهذه المشكلة. وفي مثل ذلك قال الأولون متعجبين «يا من شرا له من حلاله علة». مسألة مواقف السيارات واحدة من العلل التي اشتريناها بحلالنا ثم رفعنا بعد ذلك أصواتنا مشتكين، وطرنا نبحث لها عن علاج. والعلاج، في الغالب، يكون لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وترميم ما تم تدميره، حيث إن ما حدث كان، وان الأراضي المنبسطة التي كانت صفحة بيضاء في أيدي من وضعوا أقلامهم عليها لم تعد بيضاء و لا منبسطة، بل أصبحت تئن من حمل قوالب «الكونكريت» المتناطحة فوقها.
الآن، وبعد فوات الأوان، صارت البلديات تتلفت يميناً ويساراً بحثاً عن قطعة أرض لا تزال حرّة تتنفس الهواء وسط أحياء الأبراج الشاهقة لتقيم عليها موقفا متعدد الطوابق «يساعد» في امتصاص قليل من فائض السيارات المتدفقة إلى شوارعنا دون حساب ولا كتاب. ففي زمن التلاعب بالألفاظ واستيراد الكلمات بلا أفكارها والمصطلحات بلا أنفاسها، يدور الحديث عن الحلول المبتكرة. والمواقف المتعددة، واحدة من هذه الحلول المبتكرة، كما أن الاستيلاء على المواقف المرصوفة والمخططة وإقامة الأبراج عليها، هو كذلك من الحلول المبتكرة لأصحاب الّلعاب الذي لا ينضب. ولكن هل ستوفر هذه المواقف المتعددة الطوابق الحل المنتظر، وستتمكن بالفعل من امتصاص أعداد السيارات التي لم تعد تجد لها موقفاً حتى في الأماكن الممنوعة؟ هل يساوي عدد السيارات، التي يمكن أن تستوعبها هذه المواقف، عدد السيارات الجديدة الداخلة شوارعنا؟ لا نقصد تكسير المجاديف، ولا الدعوة لصرف النظر عن بناء المواقف المتعددة الطوابق لأنها بالفعل أصبحت «اسبريناً» يخفف من وطأة الألم، ولكنها بالتأكيد ليست الحل ما دام فكر التطاول في البنيان هو سيد الموقف.
adel.m.alrashed@gmail.com
|