أمن الغـذاء العالمي رهينـة حظر التصدير والإيثانول


يشهد العالم حاليا بداية إحدى الأزمات الحادة في الحبوب الغذائية، ففي سعيها الحثيث لإنتاج طاقة من الحبوب تقلل بها اعتمادها على النفط الخارجي (الإيثانول) بدأت الولايات المتحدة الأميركية ودول أخرى تستهلك قدرا كبيرا من الحبوب، والذي أدى بالتالي لعجز كبـــير في مخزون الحبوب، وبدأت إرهـــاصات أزمة غــذائية طاحنة لم يشهد العالم مثــلها من قبل تلوح في الأفق.  ويواجه العالم اليوم تضخما كبيرا في أسعار الطعام في الوقت الذي ترتفع فيه أسعار الحبوب وفول الصويا لأرقام جديدة كل يوم. 

 

وتجاوزت أسعار القمح 10 دولارات للبشل (أي ما يوازي 1.25 كيلوغرام) في مجلس تجارة شيكاغو ديسمبر الماضي، ولأول مرة في التاريخ، وفي منتصف يناير تجاوز سعر الذرة خمسة دولارات للبشل، وفي 11 يناير سجل سعر فول الصويا أكثر من 42.13 للبشل مسجلا أعلى سعر له على الإطلاق.

 

وبلغت هذه الأسعار في مجملها ضعف الأسعار التي شهدتها تجارة الحبوب قبل عام أو عامين. من الناحية التاريخية تختلف اقتصاديات الطعام عن اقتصاديات الطاقة، بيد أنها اندمجت الآن بعد إنشاء العديد من مصافي وقود الإيثانول، وعليه فكلما ارتفعت أسعار النـــفط ارتفعت بالــتالي أسعار الحبوب. واكتشف فريق من جامعة «الينويس» انه عندما يصل سعر برميل النفط إلى 50 دولارا فإن الأجدى اقتصاديا تحويل الذرة لإيثانول طالما ظل السعر دون الأربعة  دولارات للبشل. 

 

وعندما ترتفع أسعار النفط إلى 100 دولار فإن المصافي يمكنها أن تدفع أكثر من سبعة دولارات للبشل الواحد من الذرة، وإذا صعدت أسعار النفط إلى 140 دولارا للبرميل فإن المصافي تدفع حينئذ 10 دولارات للبشل من الذرة، أي ضعف سعر البشل في بداية هذا العام والذي سجل خمسة دولارات. 

 

حظر التصدير
احد مديري طواحين الذرة في العاصمة الكينية، نيروبي، ديل ويست، يرى أن الحظر الدولي المفروض على تجارة الحبوب يؤثر بوضوح في أسعار الطعام.

 

وكان هذا التاجر قد اشترى العام الماضي نصف ما يحتاجه من الذرة من دولة تنزانيا المجاورة، بيد انه وبعد حصاد سيّئ فرضت تنزانيا حظرا على تصدير الحبوب في يناير الماضي. ويقول ويست «منذ ذلك الحين لا نستطيع الشراء من هناك». ويضيف ان أسعار الحبوب في كينيا تضاعفت ثلاث مرات خلال عام واحد، ويعتقد بأن الأسعار سترتفع أكثر من ذلك.

 

وأصبح إنتاج الطعام، مثله مثل صناعات أخرى، أكثر عولمة نتيجة لرخص أسعار المواصلات، وكفاءة الاتصالات، إلا أن تجارة الطعام ابعد عن كونها تجارة حرة، ومثلها مثل تجارة النسيج والملابس، فإنها تخضع للتدخلات الحكومية.

 

وتمخض عن تقييد تجارة الطعام أزمة بدت مظاهرها في تظاهرات شهدتها نحو 30 دولة هذا العام، ويفاقم من حدة الأزمة هذه الحظر الذي تفرضه الحكومات عبر العالم على تصدير الطعام.  اعتادت بعض الدول الاعتماد على صادرات الطعام مثل القمح والذرة والأرز، فمصر التي زاد عدد سكانها أكثر من الضعف خلال الـ 20 عاما السابقة، تستورد نصف ما تحتاجه من القمح.
ويقول الخبير باستخدامات المياه بمدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية في لندن، توني الآن،  إن مصر ليس أمامها من خيار سوى الاستيراد طالما أنها  لم تستطع إطعام شعبها بشكل مستديم حتى مع توفر مصادر الري من نهر النيل. الشهر الماضي أمر الرئيس المصري، حسني مبارك، قواته المسلحة بزيادة إنتاج الخبز في العديد من المخابز التي تديرها الدولة وتوفر الخبز لرجال الجيش، وذلك من اجل تقليل وقت الوقوف في الصفوف للحصول على الخبز، وإجهاض نوبات العنف التي تجتاح الشعب من وقت لآخر.

 

 يوفر الأزر ثلث سعرات الطعام التي يحتاج إليها العالم الثالث، إلا أن ما يتراوح من 6  إلى 7% من الإنتاج العالمي من الأرز يتم تصديره، ذلك على الرغم من الاختلافات الواسعة في الإنتاجية والأسعار بين مختلف الدول.

 

ويعود ذلك جزئيا إلى توفير الجزء الأكبر منه لأغراض «الأمن الغذائي» لا سيما في الدول التي يسيطر عليها الاحتكاريون الذين قد يحددون سقفا معينا للمبيعات من اجل رفع الاسعار. ولهذا السبب فإن سوق الأرز العالمي اقل من كونه فعالا، ويبدو متشظيا ضمن سلسلة من الترتيبات الثنائية بدلا من الانصهار في بوتقة واحدة عميقة. 

 

هناك التدخلات الحكومية التي كثيرا ما تربك إشارات السوق العالمي، حيث إن الحكومات تفرض تعرفة استيراد لحماية المزارع ولجعل دخله أعلى مقارنة بوضعه عندما يخضع للمنافسة في السوق الحرة، وفي بعض الأحيان تعوض الحكومة المستهلكين من مواطنيها عن طريق دعم الحبوب الغذائية للإبقاء على سعرها منخفضا.

 

هذه التدخلات تختلف من بلد لآخر. ويقدر معهد أبحاث سياسية الطعام العالمية بواشنطن أن أسعار الذرة المكسيكي تزيد بنسبة 35% على الأسعار العالمية منذ أوائل العام .2005 بينما وجد المعهد أن تكلفة الأرز في الهند تبلغ ضعفي سعرها في السوق العالمية.

 

وفي الوقت الذي لم تستطع فيه حكومات البلدان الفقيرة تخفيض سعر الطعام فقد لجأت إلى إلغاء تعرفة الاستيراد وفرضت بدلا من ذلك حظرا على الاستيراد في محاولة منها لتحويل الدخل مباشرة من المزارع للمستهلك، وبهذا تحرم المزارع من بيع منتجاتها بأعلى سعر ممكن في السوق العالمية. 

 

ومثل هذه التدابير يمكنها حل مشكلة الإمداد المحلي على المدى القصير، لكنها ستخلق ندرة في الأسواق العالمية، وتفاقم من وضع الذين يعتمدون على استيراد الطعام، لا سيما إذا أقدمت دول كبيرة مصدرة للحبوب مثل الأرجنتين وأوكرانيا على فرض حظر على تصدير هذه السلعة.

 

الأسعار العالمية للحبوب الغذائية الرئيسة تتسم بالحساسية العالية للصدمات، حيث إن كلا من العرض والطلب لا يتسمان بالمرونة، لا سيما على المدى القصير.

 

وتعتبر الدول الأكثر عرضة لنقص الحبوب هي تلك الدول الفقيرة الواقع معظمها في إفريقيا جنوب الصحراء، والتي تعتمد بشدة على استيراد الطعام نظرا لإنتاجيتها الزراعية المتدنية. وتمثل الحبوب (بما في ذلك الأرز) 63% من السعرات الحرارية التي تستهلكها الشعوب الآسيوية ذات الدخل المتدني، و50% من الشعوب الإفريقية جنوب الصحراء.

 

الوضع في الغرب
من المتوقع أن يبلغ الدخل الصافي المقدر للزراعة في الولايات المتحدة هذا العام 93.3 مليار دولار، أي بزيادة 4.1% من دخل العام الماضي. تحدث كبير الاقتصاديين بوزارة الزراعة، جوزيف غلوبر، أمام جمع غفير من المزارعين في احد المؤتمرات، قائلاً «هناك جدل طفيف حول كون العام الماضي من أميز الأعوام الزراعية التي شهدتها البلاد»، ويضيف «إذا تطلعنا إلى عام 2008 فإن الوضع يدل بأننا سننعم بعام آخر من الرخاء والنماء». ويستطيع المزارعون الغربيون أيضا الوصول للأسواق العالمية والحصول على أعلى الأسعار فيها، كما أن محاصيلهم تدعمها الحكومة وتؤمنها في حالة الكوارث. وهذا عالم يختلف كثيرا عن سياسات حظر التصدير التي تمارسها حكومات العالم النامي، حيث تعتقد هذه الحكومات أن مثل هذه الأساليب هي الضمان الوحيد لتأمين الطعام لرعاياها، بيد أن هذه السياسة من شأنها أن لا تشجع على الإنتاجية العالية، ليس فقط أفقر الدول وإنما أيضا في الاقتصادية الكبيرة النامية مثل الأرجنتين وأوكرانيا وفيتنام.

قلق عالمي لتأثير إنتاج الإيثانول في أسعار الغذاء 
  تجدد القلق العالمي على مسار أسعار المواد الغذائية الأساسية واحتياطياتها في ظل توجه بعض شركات الطاقة الغربية إلى مضاعفة إنتاج وقود الديزل الحيوي من أنواع الغذاء مثل الذرة وقصب السكر وفول الصويا ما أدى إلى تنامي أسعار الغذاء ونقص العرض أمام الطلب وتهديد أمن الغذاء العالمي والضغط على اقتصاديات الشعوب ما قد يفاقم من مشكلة الفقر ويزيد من الاضطرابات والصراعات.

 

وتشير الإحصاءات إلى أن زيادة المساحات الزراعية في بعض البلدان لم تفلح في تحسن المعروض من المواد الغذائية ، كما أن اختلال التوازن بين العرض والطلب في الأسواق الدولية قلل من إنتاج الغذاء عالي الجودة والتي كانت تختص به أسواق صاعدة متسارعة التصنيع مثل الصين والهند وهو الأمر الذي ضاعف من أسعار المواد الغذاء خلال الأشهر الماضية وأحدث شحا ينبئ بوقوع مشكلة، خصوصاً في منتجات الحبوب التي تشكل العمود الفقري لغذاء الشعوب. 

 

ولا تخف منظمة الأغذية والزراعة العالمية قلقها من أن تضاعف حجم إنتاج وقود الإيثانول المستمد من الذرة وبعض المنتجات الأخرى في الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي والبرازيل والصين والذي يصل حاليا إلى أكثر من 10ملايين طن ومن المقرر أن يرتفع إلى 21 مليون طن قبل عام 2016 متناغما مع موجة الجفاف التي تلف أجزاء كبيرة من الأرض، سوف تؤدي إلى رفع أسعار المواد الغذائية بما في ذلك المصادر الحيوانية وتخلق مشكلة في توسع دائرة الجوع وارتفاع معدلات الفقر.

 

وأسهم ارتفاع أسعار المواد البترولية خلال السنتين الماضيتين في التوسع بإنتاج الايثانول أو الوقود الحيوي، حيث إن إنتاجه يعد مكلفا مقارنة بإنتاج الوقود من النفط. 

 

وذكرت دراسة في تقرير صادر من جامعة ستانفورد الاميركية ان كثرة استخدام مادة الايثانول كوقود في البيوت الزجاجية مع اسخدامها بشكل مفرط في وقود السيارات سوف تؤدي الى تأثير خطير جدا في الصحة العامة باعثة مادة الاوزون بطبقة اكثر مما تنتجه مادة الغازولين.

 

وقد اكتشف الدكتور جاكوبسون استاذ الهندسة البيئية والمدنية في احدى الجامعات الاميركية ومعد التقرير المذكور هنا ان الآثار الناتجة من استخدام الايثانول على الصحة العامة هي نفسها سواء انتجت من الذرة او من أي نبات آخر. 

 

من جهته، طالب جان زيغلر، المقرر الخاص بالأمم المتحدة حول الحق في الغذاء، بوقف اختياري لمدة خمس سنوات لعمليات إنتاج الوقود الحيوي المستخرج من مواد غذائية واعتبر أن التأثير الذي تركه هذا النوع من الوقود في أسعار الغذاء حول العالم يمثل «جريمة ضد الإنسانية» بحق الفقراء.

 

وقال زيغلر إن تحويل المزروعات، مثل الذرة والقمح والسكر، إلى وقود يزيد من أسعار المواد الغذائية وتكلفة الأرض والمياه، وحذر من أن استمرار ازدياد الأسعار سيعيق الدول الفقيرة من استيراد الطعام الكافي لشعوبها.

 

وقال المقرر الخاص إن «الجدال الدائر بشأن الوقود الحيوي مشروع في ما يتعلق بترشيد استهلاك الطاقة ومكافحة آثار تغير المناخ» إلا أن تحويل المحاصيل مثل الذرة والقمح إلى وقود زراعي«يمثل كارثة حقيقية للأشخاص الذين يعانون الجوع وسيؤثر سلبا في تحقيق هدف الحق في الغذاء». وقال زيغلر «إن إنتاج الوقود الحيوي سيزيد من الجوع في العالم حيث يعاني854 مليون شخص من الآفة، ويلقى 100 ألف شخص حتفهم سنويا بسبب الجوع أو أمراض ناتجة عنه.

طباعة