المالكي يخوض حرباً خاسرة جنوب العراق - الإمارات اليوم

المالكي يخوض حرباً خاسرة جنوب العراق

 

أقدم رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي هذا الاسبوع على مغامرة غاية في الخطورة عندما أمر الجيش العراقي بخوض قتال شرس مع ميليشيات جيش المهدي في مدينة البصرة، فإذا ما حالف المالكي النجاح، فإن ذلك من شأنه أن يعزز من مصداقية حكومته المهتزة أصلاً، بيد أن النجاح لن يتحقق إلا اذا استطاع الجيش قمع هذه الميليشيات القوية، وإخماد المخاوف التي تثيرها الكثير من الجهات، بأن الانسحاب الاميركي سيضع العراق تحت رحمة المجموعات المسلحة. وعلى المستوى الشخصي فإن اختيار المالكي للمواجهة المسلحة، سيقوّي من مركزه الذي تأثر كثيراً جراء فشله في الايفاء بتعهداته السياسية أمام الأميركان، وفشله ايضاً حتى في الحفاظ على تماسك حكومة الوحدة الوطنية.


وعلى كل حال فإن اختياره مقارعة الميليشيات يحمل في طياته مخاطر جمة، يتمثل اشدها في ان هذه المواجهات قد تدفع الحركة الصدرية القوية (نسبة لزعيمها مقتدى الصدر) للدخول في صراع مفتوح مع الحكومة - حيث إن موافقتها في ما مضى على وقف اطلاق النار كان من اهم العوامل في انحسار وتيرة العنف - واذا ما حدث ذلك فإن النتيجة الحتمية هي تصاعد العنف السياسي، عبر الجنوب العراقي الغني بالنفط، وتصادم الشيعة مع الشيعة، واضعاف الطائفة الشيعية التي قويت شوكتها بعد سقوط نظام الرئيس العراقي السابق، صدام حسين. وإن تصاعد العنف في الجنوب من شأنه أيضاً أن يسدد ضربة قوية لخطط الحكومة الرامية لرفع انتاجية النفط عن طريق دعوة شركات عالمية لتطوير الحقول الحالية.


وفي جميع الأحوال فقد لقي اكثر من 100 شخص مصرعهم منذ الثلاثاء الماضي عندما اعلن المالكي عملية «صولة الفرسان» التي تستهدف، كما وصف، «العصابات الخارجة عن القانون» في مدينة البصرة.


ويقول المسؤولون الأميركيون إن الهجوم لا يستهدف التيار الرئيس لميليشيا الحركة الصدرية القوية المسماة بجيش المهدي، وانما «مجموعات خاصة» منفصلة عن الحركة تحدّت وقف اطلاق النار الذي اعلنه الصدر.


ولم يتضح بعد ما اذا كان من الممكن رسم خطوط بين الأجنحة المختلفة لهذه الحركة الفضفاضة. وخلال الايام القليلة الماضية امتد القتال من البصرة إلى أحياء مدينة الصدر في بغداد، اضافة لمدن الكوت والحلة جنوب بغداد. 


وظل المالكي متماسكاً، و متجاهلاً في ما يبدو، الدعوات الصادرة من الصدر بالتفاوض لإنهاء القتال. ويقول في بيان متلفز «سنواصل حتى النهاية، ولن نتراجع ولن نتفاوض ولن نتباحث». ويبدو ان المالكي يهدف من خلال هذه اللهجة القوية الى اظهار نفسه كقائد حاسم، قرر ان يفرض سلطة القانون في دولة منفلتة الأمن، حيث إنه وبعد عامين تقريباً من توليه رئاسة الوزراء بدا ضعيفاً سياسياً، ويرأس حكومة يعتريها الفساد.


ولكي يظل المالكي في منصبه اضطر للاعتماد على بعض الحلفاء مثل الأحزاب الكردية، والمجلس الاسلامي الشيعي الاعلى في العراق، وحتى على الصدريين انفسهم.


عانت شعبية المالكي كثيراً وصار العديد من العراقيين ينظرون للمؤسسات الحكومية كإقطاعية تتبع لحزب المالكي، ولا تستطيع الحكومة المركزية، إلا قليلاً، دفع التنمية للأمام، أو لجم الفساد.


بيد أن المالكي يستطيع الآن ان يدعي بأن لديه رصيداً كبيراً يتمثل في الجيش العراقي، الذي استطاع ان ينمو في ظل القوات الاميركية ليبلغ قوامه 200 ألف جندي، وللمرة الأولى يبدو ان المالكي يعتمد على هذا الجيش.


وعلى الرغم من القصور الواضح في التدريب والإمداد، يبدو أن الجيش، بقوة نيرانه التقليدية، وتسلسله القيادي المركزي، يستطيع السيطرة على الميليشيات العراقية، على الاقل في المعارك التي تهدف الى انتزاع موقع من هذه الميليشيات. 


ويبدو أن البصرة هي المكان المناسب لإطلاق مثل هذه العملية الهجومية، حيث إن سكان المدينة قلقون من الميليشيات المتصارعة، وان الجيش استطاع ان يتولى دوراً طليعياً في ضبط الاحوال الداخلية منذ .2006


الجانب السلبي لعملية المالكي يتمثل في أنها قد تجعل الصدر يتخلى عن وقف اطلاق النار الذي اعتمدت عليه القوات الأميركية في خفض مستوى العنف بمعدل 60% منذ الصيف الماضي.  وتقض هذه المشكلة مضجع المالكي منذ فترة من الزمن إذ إنه اذا عامل زعماء الجماعات المسلحة معاملة متساوية فإن حكومته ستبدو ضعيفة، واذا تجاهلهم فإن ذلك من شأنه ان يجعل اتباعهم يخرجون للشوارع لمقاومة حكومته بقوة السلاح.

طباعة