مغنو الأوبرا في سورية: حياة مهــــــنية "مخيّبة"


يعيش مغنو الأوبرا في سورية حياتهم على شكل مفارقة كبيرة ومستمرة، ففي حين ان قسم الغناء الأوبرالي في معهد الموسيقى يفتح ذراعيه لتدريسهم، فهو يقذفهم، بعد تخرجهم، في الفراغ، في حياة مهنية قاحلة و«مخيّبة».

لبانة قنطار هي اول مغنية اوبرا سوريّة، وصنفت بين افضل خمس مغنيات اوبرا في العالم العام 2000 في بلجيكا (مسابقة الملكة اليزابيث)، وبعد تخرجها من المعهد العالي للموسيقى باكثر من 10 سنوات تقول ان «دراسة الأوبرا هي نوع من المجازفة، فالمرء يضع مستقبله في المجهول حيث لا معطيات على الإطلاق». وتكاد خلفية دخول مجال الأوبرا تكون واحدة لدى جميع المغنيات، وتوضح مغنية الأوبرا رشا رزق ان «قسم الغناء الأوبرالي هو المكان الوحيد الذي يتيح دراسة الغناء اكاديمياً»، مع ان اهتمامها كان منصباً، قبل التخرج وبعده، على حقل الموسيقى الحديثة، تأليفاً وغناء.
 
وكان افتتاح دار الأوبرا السورية عام 2004 قد شكّل بارقة امل، لكن لم يتغير الكثير، رغم ان الدار نظمت حفلات لمغني الأوبرا قدموا فيها بعض اعمال الموسيقى العربية، غير ان لبانة قنطار تعقب قائلة «هذه الحفلات لا تكفي، وهناك هوة شاسعة في هذا المجال».

وتعزو المشكلة الى «عدم وجود تكافل بين المؤسسات، فالمعهد يدرس ويخرج، اما دار الأوبرا فماذا تفعل؟ لا شيء تقريباً، وعدم التعاون هذا يقيد مجال عملنا ويجعله فقيراً». وتؤكد رشا رزق، المدرّسة في المعهد العالي للموسيقى، ان «لا نشاط محلياً في مجال الأوبرا»، وتضيف تأكيداً لرأيها «انتظرنا 15 عاماً لنقدم عملاً اوبرالياً»، هو اوبرا «تراجيديا كارمن» التي قدمت في فبراير الماضي وشاركت فيها رزق، بعدما كان المايسترو الراحل صلحي الوادي، مؤسس الفرقة السيمفونية ومعهد الموسيقى، قدم في بداية التسعينات اوبرا «دايدو واينياس» بالاشتراك بين مغنين سوريين وبريطانيين.
 
والمثال نفسه تورده مغنية الأوبرا ديمة اورشو التي تعد رسالة دكتوراه في الغناء الأوبرالي في معهد بوسطن للموسيقى. لكنها تؤكد ان تقديم «تراجيديا كارمن» كان «نقلة نوعية ومؤشراً الى تحسن الأمور منذ عامين». وتشاركها لبانة قنطار الرأي، وان بتفاؤل حذر، وترى ان «التحسن» جاء بعد ازدياد عدد المغنين «واثبات بعضهم تميزاً لفت الأنظار اليهم.. بعد اخذ ورد استمرا 15 عاما».

ومغنو الأوبرا يتوافقون على ندرة فرص العمل المتاحة لهم، فرزق مثلاً تعمل في كتابة وغناء شارات مسلسلات الكرتون وتغني الجاز والروك في فرقتها «اطار شمع». وتؤكد ان مغني الأوبرا السوري «مضطر الى العمل في كل شيء ليعيش»، وتضيف ان المصرّين على حصر عملهم بالأوبرا «يعانون كثيراً بسبب التزامهم ومواقفهم، ويعانون ماديا واعلاميا لأن معظم الجمهور لا يعرفهم» وتوضح ان إحياءهم حفلات مع الأوركسترا او مع آلة البيانو «ليس بديلاً لأنه ناتج عن قلة النشاط».

وتتحدث قنطار عن «خيبات» من موقعها كاستاذة في قسم الغناء العربي المحدث منذ اربعة اعوام، مؤكدة ان «كل مغني الأوبرا او مدرسيها يعرفون تماماً ان طريق نجاحهم ليس هنا، بل التخصص وانتظار الفرصة في الخارج». وقياساً بما تطرحه رزق وقنطار، يبدو حديث زميلتهما اورشو كأنه من كوكب آخر، لكن الواقع انها تعيش حياتها العائلية والمهنية في الولايات المتحدة.

ومن هناك ترى ان «جميع العاملين في الفن الكلاسيكي يعانون المشكلة نفسها، وهم مضطرون الى القيام بأشياء كثيرة كي يعيشوا». وتقول تعليقاً على شكوى زملائها من صعوبة التوفيق بين متطلبات هذا الفن والاستمرار معيشياً، «لا نستطيع القفز 200 عام الى الأمام، هذه ثقافة وبناؤها يحتاج الى تجارب عدة وتراكم ووقت».  ويتجه معظم مغني الأوبرا منذ فترة الى الغناء باللغة العربية.
 
وتوضح قنطار ان الأوبرا كانت «الباب الكبير الذي دخلت منه الى الغناء العربي، وبفضلها صرت افكر في الجملة الغنائية بدقة كما افعل مع المقطوعة الأوبرالية».  ومن تجارب الغناء الأوبرالي العربي، قدمت اورشو اخيراً قصائد بالعامية والفصحى لشعراء عرب، الف موسيقاها عازف البيانو غزوان الزركلي.  وتشير اورشو الى ان التجربة كانت «ممتعة، وفيها تحدٍ للمغني اكبر بكثير من غناء الأوبرا الكلاسيكية».
 
لكن رزق تتحفظ بشدة على تجارب الغناء الأوبرالي باللغة العربية، وتقول ان هذه «الموجة» تفقد الأغنية العربية اصالتها وتسحب منها كامل دسمها، في حين اننا نحتاج الى الأوبرا كمنهجية وليس كصوت يلون الغناء العربي». وتضيف ان غالبية من ركبوا هذه الموجة «يستفيدون من جهل الجمهور العربي الذي يؤخذ بالصوت الأوبرالي، وعدم معرفة الجمهور الغربي الذي يقدم اليه الأمر على انه غناء شرقي».