المخرجون الإماراتيون خارج «مشهد» دبي السينمائي

   

استضافت فعالية «المشهد» التي استحدثها مهرجان دبي السينمائي مساء أول من أمس في قرية المعرفة في دبي خمسة أفلام، اثنان منها للإيطالية إيزابيلا سالفيتي هما «إيماءة بريئة» و«حظ صغير» وفيلم «رابطة» للإيرانية مريم قرباني، كما تمت إعادة عرض فيلم «عربانة» للإماراتية نائلة الخاجة، التي تتولى عبر شركتها الخاصة الإشراف على الفعالية، فيما أعيد أيضاً عرض فيلم «وجه عالق» للمرة الثانية على التوالي للإماراتية منال بن عمرو، التي كررت غيابها عن الندوة النقاشية الخاصة بالأفلام المعروضة. كما غابت أيضاً الوجوه الإماراتية السينمائية عن الحدث بمن فيها وجوه المخرجين الشباب الذين أُطلقت الفعالية أساساً لدعم خطواتهم الأولى.


وحلت اللغة الإيطالية كلغة ثانية بعد الإنجليزية بديلاً عن العربية في سابقة جديدة، بعد أن عجزت المخرجة الإيطالية إيزابيلا عن التواصل مع حضور الندوة من خلال اللغة الإنجليزية، ما اضطر بعض العارفين بالإيطالية إلى التطوع لترجمة ما استشكل عليها التعبير عنه من الإيطالية إلى الانجليزية وبالعكس، فيما بررت الخاجة لـ«الإمارات اليوم» عدم مقدرة «المشهد» على الاحتفاظ بوجود «العربية» لغة أساسية أو حتى بديلة لندوته الحوارية بقولها «نواجه مشكلات مادية كبيرة في إخراج هذه الفعالية على النحو الأمثل، فالميزانية التي تم رصدها من قبل مهرجان دبي السينمائي، تم استنفادها مع وصولنا إلى الدورة الرابعة، لدرجة أنني اضطررت للاستغناء عن عرض الأفلام في مسرح دبي الاجتماعي في مول الإمارات، كما كان مقرراً لترشيد الإنفاق».


وأضافت الخاجة «كان من المفترض أن تتم الاستعانة بترجمة فورية عالية المستوى عبر مترجم كفء يقوم بعملية الترجمة اللازمة لتواصل المخرجات مع الحضور في الندوة النقاشية، مع استئجار الأجهزة اللاسلكية والسماعات التي تضمن اتمام هذه العملية دون تشويش، لكن فوجئنا أن هذه الخطوة وحدها كانت ستتكلف 18 ألف درهم وهو مبلغ ليس بإمكان ميزانية «المشهد» الضعيفة تحمله».


وفي الوقت الذي حرص فيه عدد كبير من المخرجين الشباب الإماراتيين على حضور الدورة السابقة من «المشهد» بسبب تخصيصها للاحتفاء بالفيلم الإماراتي فإن الدورة الحالية شهدت غياباً جماعياً منهم، وهم ما فسره بعض المتابعين بالاستعداد لانطلاق النسخة الأولى من مهرجان الخليج السينمائي الأول في الثالث عشر من أبريل الجاري .


«إيماءة بريئة»
في 15 دقيقة فقط، قدمت المخرجة الإيطالية إيزابيلا سالفيتي فيلم «إيماءة بريئة» الذي غاص في الأعماق الداخلية لامرأة كبيرة في السن تقاوم اكتئاب الخوف من تجاوز حافة الحياة، منسدلاً من حوار متوتر بينها وبين ابنتها يسلمها لجلسة شاطئية رتيبة قبل أن يكسرها عابر سبيل يجاورها بكلبه، ويغوص معها في هواجسها النفسية ويعلمها أن «الموت صعب.. لكن الحياة أضحوكة»، فيتحول الحديث الصامت إلى ساخر مضحك في إشارة إلى أن العجوز في النهاية قد اختارت الحياة بعد تعديل قناعتها بدليل اصطحابها لكلب الرجل «عابر السبيل» في نهاية جلستها حينما تعود ابنتها في المساء لمرافقتها ثانية إلى منزلها. ولكن من دون الشعور بالوحدة هذه المرة.


ورغم قصر المدة الزمنية للفيلم، إلا أن إيزابيلا أشعرتنا عبر الاعتماد على تقنيات تصويرية عالية الدقة، أننا أمام لقطات من  فيلم سينمائي روائي، وهو ما بررته المخرجة في الحوار النقاشي بالدعم المؤسساتي الذي حظيت به، سواء من قبل وزارة الثقافة الإيطالية أو قناة «سكاي» الفضائية.


«وجه عالق»
رغم عرض فيلم «وجه عالق» في الدورة السابقة من «المشهد»، إلا أن الخاجة حاولت تعويض غياب مخرجته أثناء عرضه السابق بتجديد الفرصة لحوارها مع الإعلاميين والحضور بإعادة عرضه هذه المرة، لكن مخرجة «وجه عالق» منال بن عمرو، كررت الغياب، ما دعا  الخاجة  للاعراب عن دهشتها مضيفة: «حرصت على إعادة عرض الفيلم بسبب غياب مخرجته ومن ثم غياب أي حوار نقدي حوله في الدورة السابقة، وجهت الدعوة لمنال لكني لا أدري سبب عدم تلبيتها لها للمرة الثانية».


وعلى الرغم من ذلك أعرب بعض الحاضرين عن انزعاجهم من عدم وضوح الرؤية الإخراجية في «وجه عالق»، الذي جاء في خمس دقائق، وشاركت في تمثيله الفنانة أشواق وصوّره عبدالله حسن أحمد، فيما قامت بإعداد السيناريو الخاص به بالإضافة إلى إخراجه منال بن عمرو.


«عربانة»
رغم عرض هذا الفيلم تحديداً الذي يعود للمخرجة نائلة الخاجة أكثر من مرة في مناسبات متعددة، إلا أن العمل الذي لا يتعدى خمس دقائق، هو الوحيد الذي اقتنص تصفيق حضور «المشهد»، وقد مزجت فيه الخاجة بين العربية والانجليزية، وتطرقت إلى إحدى القضايا المجتمعية المتمثلة في إهمال الأبناء، ما قد يعرضهم إلى استغلال الآخرين السيئ، في غياب الرقابة الأسرية وغياب دور الأب وانشغال الأم بسخافات التسوق ودعوات الصديقات.


الفيلم فضل الاعتماد بشكل أقوى على اللغة الصامتة، ما حفز تفعيل دور الموسيقى التصويرية والاتكاء على الرمز، حيث لهو الطفلة على تماس من حفرة، إيذاناً بقروبها من مكمن الخطر الذي وقعت فيه بالفعل، ووجود الحشرات على المكان وتساقط أوراق الشجر تثبيتاً وإقراراً بتمام وقوع الخطيئة.


«حظ صغير»
هو ثاني أفلام الإيطالية سالفيتي، وهو أيضاً أكثر الأفلام بعداً عن تقاليد الفيلم القصير، عبر ملامسته أدوات أفلام «الأكشن»، حيث يعالج العمل الخيارات الصعبة التي يواجهها الإنسان في حياته من خلال قصة امرأة تحتضر وتلتقي برجل يخطط للموت، كي تحصل عائلته على بوليصة التأمين لتسديد ديونها المتراكمة بعد وفاته المفترضة، إلا أنه يعجز عن إطلاق النار على نفسه.


وحاولت سالفيتي في هذا العمل رصد عبثية القدر من خلال مفاجأته دائماً للمُخطِط عبر وقائع تغير مجرى الأحداث، لتستقر البوليصة في النهاية في أيدي طفل صغير يلهو بها عبر تحويلها لقصاصات ورق على بعد خطوة من جثة القتيلة، التي انهمك في معاينة حادث مقتلها رجال الشرطة.


«كندية الثقافة»

أثار انتباهي في الدعوة الصحافية التي أُرسِلت من «المشهد» لحضور دورة عروضه الرابعة، أن فيلم «رابطة» هو الوحيد من بين الأفلام الخمسة المعروضة الذي غابت عنه تحديد جنسية صانعه، وبالسؤال تبين أنه يعود للمخرجة الإيرانية مريم قرباني، وبحضور الندوة النقاشية أزيلت دهشة غياب الإشارة لموطن صانع الفيلم، حيث اجتهدت قرباني كثيراً في تأكيد أنها لا تنتمي للثقافة الإيرانية منها قولها «أقيم في كندا وفيها عشت ولا تمثل لي إيران سوى الموطن فقط أو بلد الجنسية، لكني لا أحمل ثقافتها».


رغم ذلك تحدثت المخرجة بدافع من مداخلات الحضور عن السينما الإيرانية وفرص المخرجات الإيرانيات هناك الآخذة في الاتساع، رغم النظرة الأصولية التي حصرت عددهن بـ15 مخرجة فقط . وتناول «رابطة» في 15 دقيقة  قصة رجل عجوز اعتاد على انتظار القطار في محطة مهجورة سنوات طويلة، قبل أن يلتقي بطفل يقوده إلى تغيير قناعاته ليبدأ العجوز حياة جديدة، في الوقت الذي يحمل الطفل ذاته بعد أن أضحى يافعاً، قناعات العجوز ويحتل مقعده في انتظار القطار .


الفيلم الذي حرصت مخرجته على الإشارة بأنه صُوِّر في كندا، جاء مليئاً بالأخطاء المقولية والسياقية، بسبب سعي مريم قرباني تحميله أفكارها الفلسفية الخاصة، بعيداً عن منطق السرد الحكائي أو مقتضيات الفعل الدرامي، كما هو الحال في فكرة تأثر الطفل بالعجوز في عادة انتظار القطار عبر السنين، رغم إلحاحها على تصوير ديناميكيته الشديدة ورفضه لأفكار العجوز.