عضوا أصابعهم ندماً

من المفاجئ أن تكون نصائح الآباء والأجداد لأبنائهم واحدة في مجتمعاتنا العربية، وكأن هـناك اتفاقاً مسـبقاً او نظرة موحدة تجاه الامور المتعلقة بالمصائر، ومن الغريب ايضاً ان تثبت صحة وجهة نظرهم في الكثير من القرارات التي اتخذت عكـس رغباتهم، هذا حسـب ما أكده عدد ممن شملهم هذا الاستـطلاع الذي تناول «نصـيحة لم تنفذ ونتج عنها النـدم»

 
فالبعـض ندم على زواج أصـر عليه بالرغم من رفض الوالدين، والبعض الآخر أبدى ندمه على وضع ابنائه في جامعات خارجية بالرغم من تدخل الاجداد للحيلولة دون تنفيذ هذا القرار، واخرون قصـوا قصصهم مع نصائح عدة لم ينفذوها فعضوا اصابعهم ندماً، قصص ومواقف من شأنها ان تجعل المرء يقف مع نفسه ولو للحظة، ليعيد تفكيره في قراراته، وليعترف بين حين وآخر، ان الوالدين لا يهمهما إلا مصلحة ابنائهما في كثير من الاحيان.

زيجات فاشلة
«منذ طفولتي وأنا أعلم أن لدى أمي نظرة ثاقبة في تحليل اي شخصية تعبر في حياتها او حياتنا»، هذا ما قالته، نيرمين.ص، وأضافت «وبالرغم من ايماني المطلق برأيها، الا انني لم أُولِها اي اهتمام في اهم قرار اتخذته في حياتي وهو الزواج»
 
وبألم بدى على وجهها تابعت «قالت لي امي عندما تقدم لي زوجي الحالي انني لن اكون سعيدة، لأن زوجي حسب وصفها -وقد صدقت- يحب النساء وعينه (زائغة)»، مضيفة «ولم أُولِها اي اهتمام، بل على العكس تشبثت برأيي وعاندتها لأتعرض وبعد شهرين فقط من زواجي للخيانة»
 
ولكن نيرمين لم تبح بما شاهدته مبررة «خفت ان اتعرض للتوبيخ لاني لم اسمع النصيحة، فقررت ان اتحمل نتائج القرار الذي اتخذته بعناد»، مشيرة الى انها مازالت مع زوجها تعيش خياناته الدائمة دون ان تصرخ او تستغيث»، مؤكدة أن «امي تشعر بي دون تدخل هذه المرة».


حال، هدى منذر، ليس مختلفاً تماماً والتي عانت قبل وبعد الزواج من عثرات زوجها، وقالت «التقيت زوجي وانا في الجامعة، حيث كنا ندرس في الكلية ذاتها، ومن شدة حبي له تغاضيت كثيراً عن اخطائه وعثراته، لأني كنت على يقين ان الزواج سيزيل هذه العلات، وكان من ابرزها البخل»، مشيرة الى ان والديها «لمسا هذه الصفة من اول لقاء بينهما وبين زوجي، وحاولا ان ينصحاني بالعدول عن فكرة الزواج به».


 مضيفة «قال لي أبي حينها: البخل مرض عضال لا علاج له، ولكني تشبثت برأيي متمسكة ومدافعة عن حبي»، وأضافت «تزوجته بعد ان تنازلت عن الكثير من الامور التي تحلم بها الفتاة، فعلى سبيل المثال قمت باستئجار ثوب الزفاف بدلاً من شرائه، وقمت ايضا بشراء «المصاغ» على اساس انه من الذهب الابيض دون علم عائلتي، وتنازلت كثيراً»، مؤكدة «ومقابل هذه التنازلات لم اجد المعاملة المماثلة، بل على العكس ازداد بخله وازدادت قوانينه، فاللحمة على سبيل المثال لم نكن نأكلها الا في يوم واحد من الاسبوع، لم  أستطع الاستمرار، فعدت الى عائلتي وورقة الطلاق معي قبل ان أتمم السنة مع هذا الزوج الذي دمرني».

 

غربة ومسؤولية
أما (هـ.خ) فعاشت مع زوجها الأول مدة ثلاث سنوات، انتهى بموته اثر مرض عضال، مخلفاً ولدين اثنين، في مواجهة الحياة وهي لم تتجاوز الـ24 من عمرها حينها، وقالت «وجـدت نفسي ومعي ولدان كان اكبرهم لم يتجاوز السنتين، وأنا بعيدة عن وطني واهلي، وحولي وجوه لا اعرفها، فقد كنت صغيرة وتجربتي في الحياة قليلة،

وكان زوجي الاول رحمه الله كل حياتي، ولكن الموت كان اقوى منا، إذ اخذه مني في لمح البصر»، وأضافت «عشت ست سنوات مع ولديّ دون معيل او سائل عن احوالنا، وكدت اتعوّد هذه الحال، الى ان ظهر في حياتي ومن دون سابق انذار زوجي الحالي، فشـعرت حينها كأن الحـياة فتحـت لي ذراعها مرة اخرى، فعدت اهتم بنفسي وبمظهري وبأزيائي،
 
وصرت احب نفسي كثيرا واشعر بالسعادة حين انظر الى وجهي في المرآة، فقد عشت حياة صعبة وتحملت المسؤولية وانا صغيرة، فوافقت على الزواج على الرغم من معارضة عائـلتي، ليس رفضاً لمبدأ الزواج، بل هو رفض للشخص نفسه»،

موضحة «فقـد كانت شـخصيته لا تتناسب مع شخصيتي ومستواه الثقافي ادنى من مستواي بكثير، ولا يوجد ما يميزه عن الذين تقدمـوا لي ورفضتهم»، مشيرة إلى أنها كانت يتيـمة الام والاب ما سهل عليها المضي في تنفـيذ قرارها»، مضيفة «وكان الندم الذي ما بعده ندم، فقد صدقت نصائح اخوتي، واذا بي متزوجة من رجل لا يهمه في الدنيا إلا الكحول والمال الذي لا يصرفه بل يجمعه»، اما عن النتيجة «فهي الهجران دون طلاق».

زواج بلا تفكير
(لؤي.ع) قال «أنا نادم أشد الندم من زواجي الحالي، ونادم أكثر لأني لم اسمع نصيحة والدي في هذا الشأن»، موضحاً «فقد كان زواجي الحالي نتيجة ردة فعل مباشرة على فشل علاقتي السابقة والتي امتدت خمس سنوات، وكانت النتيجة ان تزوجت حبيبتي من رجل آخر دون اي مقدمات»،
 
وأضاف «لذلك بادرت بالزواج فوراً من دون تفكير، فقط للانتقام لكرامتي التي هدرت»، مستذكراً تلك اللحظات «هرعت الى أمي راجياً ان تزوجني من اي فتاة، وكنت وقتها على علم ان ابنة خالتي معجبة بي كثيرا، فرجوتها ان تطلبها لي»، مضيفاً «وعلى الرغم من حب امي الشديد لابنة اختها، الا انها رفضت وأبي قراري هذا قائلين لي: انك ستظلم الفتاة لأنك لست برشدك وهمك الوحيد ان تنتقم لنفسك ومن حبيبتك»، مؤكداً «تشبثت برأيي مهدداً بالهرب من البيت، وتمارضت الى ان رضخا لطلبي وهما غير مقتنعين»، وبألم تحدث «وكانت النتيجة كما قالها والدي لي.


فمنذ الليلة الاولى وصورة حبيبتي لم تفارق خيالي، وقد شعرت زوجتي بذلك فطعنتها في كرامتها طعنة مازلت ادفع ثمنها الى يومنا هذا، ولا انكر انني بدأت اميل لها واحبها، ولكنها بدأت تنفر مني وتكرهني»، ويقول ناصحاً الشباب «الآباء في كثير من الاحيان يعرفون مصلحتنا نحن الابناء اكثر من انفسنا».


قرارات معارضة
«كنت ومازلت مع أبي، خالف تعرف» هكذا بدأ حكايته، يوسف . ك، وقال «اكون مقتنعاً بكلامه في قرارة نفسي، ولكن حب معارضته كان يمنعني اكثر، الى ان وقعت في الفخ».


 موضحاً «كان لي صديق كنت أحبه لأن والدي يكرهه ولا يتحمل وجوده في المنزل، وطردني مراراً من المنزل بسببه، وما كان مني إلا التمسك بصديقي اكثر، وكانت النتيجة انني دخلت السجن معه لتستري عليه وكذبي على الشرطة بأنه كان عندي في الليلة التي خالف فيها القانون»، مؤكداً «مرت على تلك الحادثة سنين وتزوجت وانجبت وعرفت قيمة الاب، لكني وبسبب تلك القصة على وجه التحديد، لا استطيع النظر في وجه أبي الآن».


 وبدورها قالت، ياسمين علي، «أمي امرأة متحكمة في كل شيء وأبي رجل غائب بسبب عمله الذي يستدعي السفر الدائم، وانا لا اتحمل فكرة ان يأخذ أحد عني قراراتي حتى لو كانت امي، ولكني لا انكر انني نادمة واعض اصابعي ندماً لأني عاندتها في اهم قرار اتخذته في حياتي وهو السفر بعيداً عنها وعن تحكمها»،

مضيفة «فقد جاءتني فرصة عمل مغرية في دبي، ومع انني اعيش في بيئة مادية ممتازة، الا انني وجدت في هذه الفرصة هرباً من سلطة امي التي عارضت ذهابي بكل قوة»، مؤكدة «حينها شعرت انني اقوى منها وتمسكت برأيي قدر استطاعتي وسافرت تاركة اياها بجرحها الذي لم يندمل الى هذه اللحظة»، وأضافت «نتيجة اغترابي عن اهلي ووطني واصدقائي، عشت حياة مختلفة، نسيت فيها نفسي ورغباتي وحلمي في ان أكون عروساً تزف الى فتى احلامها الذي تنازلت عنه هو الآخر مقابل السفر». 

وبحزن عميق «حضرت زفاف إخوتي الذكور والاناث جميعهم ولم يزفني احد، فقد فاتني قطار الزواج واصبحت وبسبب عنادي امرأة عانساً بالرغم من احتفاظي برشاقتي وجمالي، ولكننا في مجتمع عربي ينظر الى العمر على انه اساس ديمومة الحياة»، مشيرة الى ان «والدتي وفي كل زيارة لها تنظر لي نظرة الانتصار وكأنها تقول لي وتؤكد ان من يخالف رأيها يصبح مثلي تماماً، حتى انها تتخذ من قصتي مثلاً للكثير من الاشخاص الذين يأتونها لاجئين بأن تجد لهم حلاً لمشكلاتهم». 
 
خوف من الاعتراف 
«فاجأني والدي وكنت لم اتجاوز الـ15 من عمري بشراء جهاز كمبيوتر محمول مزود بكاميرا خاصة للمحادثة»، هذا ما قالته، منيرة.ي، وأضافت «أبي رجل متحضر بمعنى الكلمة، فهو مثقف ومتعلم، ولأنه اقدم على هذه الخطوة اصر على الجلوس معي لينصحني بكيفية استخدام هذا الجهاز، مؤكداً انه لا يمانع ان أبني صداقات عبر الإنترنت على ان لا تتجاوز الأخلاق التي ربّياني عليها، واشار علي الى ان الانترنت ينمي الثقافة، لأنه يطلعنا على ثقافات متنوعة من شأنها تنمية ادواتنا»،

ولكن منيرة لم تأخذ بنصيحة والدها «فقد كنت حريصة على تنفيذها ولكني وجدت مغريات كثيرة وعوالم لم تكن في حسباني ابداً، فانتابني الفضول وحب التجربة الى ان وقعت فريسة لوحوش الانترنت»،  ولا انكر انني نادمة اشد الندم وخائفة من الاعتراف لوالدي العزيز كي لا افقد ثقته بي».

عبث الإنترنت 
وفي السياق ذاته تقريباً أعرب إيهاب مروة عن ندمه لاستخدام شبكة الانترنت، استخداماً مخالفاً لما نصـحه به والداه، وقال «استخدامي الخاطئ له وعبثيتي وفضولي أبعداني عن التفوق الدراسي وحبي للمذاكرة، واصبحت اسيراً لهذا العالم، البعيد كل البعد عن الحياة الاجتماعية».

وفي المقابل أبدت، سلاف ديب، ندمها على أنها خالفت رأي اخيها الكبير «الذي اقترح علي تخصصاً في الجامعة ولم أرد عليه وتمسكت بقرار اعادة الثانوية العامة مرة اخرى، لأن معدلي لا يؤهلني لدخول كلية الصيدلة، فأضعت من عمري سنة وكانت النتيجة انني حصلت على المعدل ذاته، الذي حصلت عليه سابقاً، ودخلت تخصصاً لا علاقة له بعالم الطب»، مؤكدة أن من الجميل «أخذ نصائح الاباء والاكبر سناً في القرارات التي تتعلق بمصائرنا ومستقبلنا».