«أحمر».. النجاة تُكتب لأبطال «الألوان»

 

نصل اليوم إلى «أحمر» المخرج البولندي كرزستوف كيسلوفسكي، آخر أفلام «ثلاثية الألوان» بعد أن قدمنا  لـ«أزرق» ومن ثم «أبيض»، وليكون فيلمنا هنا حاملاً لجمالية بناء الحكاية، على مفردات لها أن تؤسس لعالم الشخصية الرئيسة على حدة، ومن ثم تجمعها مع شخصيات أخرى قد لا تجتمع معها بشيء لولا حدث بسيط يحقق لها ذلك، على عكس «أبيض» و«أزرق» وبدايتهما من لحظة حاسمة، ومن ثم تقدمهما  نحو الانعطافة التي تحل على حياة الشخصيات بعد ذلك الحدث.


 جولي في «أزرق» تفقد زوجها وابنتها في حادث سير، بينما كارل في «أبيض» يطالعنا منذ البداية بأن زوجته قد هجرته، في «أحمر» الذي نعرض له هنا، نتعرف إلى فالنتين ( ايرين جاكوب)، وهي تمضي في حياتها العادية، ثمة اتصالات هاتفية تتلقاها من حبيبها البعيد عنها، كما نراها في عملها عارضة أزياء، إضافة لتمارينها الرياضية، والعروض التي تقدمها، والصور التي تلتقط لها من مصوّر إعلانات، على خلفية حمراء فاقعة.  هذه هي حياة فالنتين بايجاز، بعدئذٍ ونحن نلاحق يومها شيئاً ربما بسيطاً يحدث معها، فبينما تقود سيارتها يطرأ على مذياعها تشويش، لتنشغل بمحاولة التخلص من هذا التشويش بالضرب على المذياع، كما نفعل عادة، فإذا بها تصدم كلبة.


من هذه الكلبة تبدأ القصة، فعلى عنقها مكتوب اسمها وهو ريتا، ومعه عنوان صاحبها، وعليه تأخذها لعنده، فنراه شخصاً غريب الأطوار، جالساً وحده، وباب داره مفتوح، وليكمل غرابة أطواره فإنه يرفض التعاطي مع الكلبة، ويقول لفالنتين إن بإمكانها أن تأخذها إن أرادت. تقوم فالنتين بأخذ ريتا إلى طبيب بيطري، وتحتفظ بها إلى المشهد الذي تخرج برفقتها، فإذا بالكلبة تركض متفلتة منها، وتمضي فالنتين تركض خلفها، فتدخل ريتا أول شيء إلى كنيسة، ومن ثم تفلت مرة أخرى منها، فتدرك أنها ذهبت إلى بيت صاحبها القديم. هناك تكتشف فالنتين عوالم ذلك الرجل العجوز، الذي نعرف أنه قاضٍ متقاعد، يمضي كل وقته في التنصت على مكالمات البشر عبر أجهزة خاصة، غرابة ذاك الرجل تكون سبباً في أن تنشأ علاقة غريبة بينه وبين فالنتين. 


على خط موازٍ، نرى شخصية أخرى يترافق حضورها مع فالنتين دون أن يلتقيا، وهو أوغستي، جارها في المبنى المقابل، والذي نراه يعيش قصة حب عاصفة، كما نكون شهوداً على نجاحه في امتحان القضاء، ليصبح بدوره قاضياً، وبعد هذا النجاح نراه وقد صُدم باكتشاف مروّع، ألا وهو خيانة حبيبته وهجرانها له.


تلك هي خطوط الأحداث الرئيسة، يبقى أن تُربط، فالقاضي العجوز يقع في حب فالنتين، دون أن يتبادلاه، قائلاً لها إنه لو التقى بمثلها في حياته الماضية لأحبها وكان بألف خير، ولنكتشف من سرد القاضي لحياته الماضية أنها مطابقة تماماً لما عاشه أمامنا أوغستي، فهو أيضاً تعرض لخيانة من قِبل حبيبته، جعلته يعزف عن كل النساء.


نصل إلى النهاية، فالنتين تودّع القاضي العجوز لأنها ذاهبة إلى لندن، والقاضي بدوره يكون قد مارس كل ما ينطبق على العاشق والأب في آن، فهو تأكد من الحالة الجوية وما إلى هنالك لأن فالنتين ستستقل عبّارة لتعبر المانش إلى لندن.


التوقعات الجوية تكون خاطئة تماماً، ففي اليوم الذي تسافر فالنيتن فيه تحدث عاصفة مروّعة، تغرق من جرائها العبّارة.


نشاهد القاضي العجوز يتابع الأخبار، وليرى على التلفاز الناجين من تلك الحادثة، فإذا بفالنتين واحدة منهم، وإلى جانبها أيضاً القاضي الشاب أوغستي، كما ليقول لنا الفيلم إن ذاك القاضي الشاب قد وقع على المرأة التي كان على القاضي العجوز أن يتعرف إليها منذ زمن بعيد، ففالنتين وحدها قادرة أن تمسح عن أوغستي مرارة الخيانة.


لا يكتفي كرزستوف كيسلوفسكي بذلك، بل نرى أن جميع الناجين من غرق العبّارة هم شخصيات فيلميه السابقين، وكما لو أن النجاة هي لجميع شخصيات «ثلاثية الألـوان» التـي ننـهي بفيلم «أحمر» إضاءتها.