يحيى الفخراني: الفنانون يحرّضونني على زيادة أجري

 

«لولا أنني أعرف عبد المتعال محجوب الحقيقي شخصياً لصدقت أنه أنت» تعليق مختزل للكاتب الكبير الراحل مصطفى أمين، لخّص فيه إعجابه الشديد ببراعة الفخراني في أداء دور أحد الشخوص الرئيسة في المسلسل  التلفزيوني «لا» الذي كتب قصته، وهي العبارة التي اعتبرها الكثير من نقاد الدراما، إفتتاحية في فهم عبقرية الأداء التمثيلي للفخراني الذي يقنع مشاهده دائماً بصدق وعفوية تجسيده للدور المنوط به، فهو سليم باشا البدري في «ليالي الحلمية»، ورحيم المنشاوي في «الليل وآخره»، وبشر عامر عبد الظاهر في «زيزينيا».


ربيع الحسيني في «نصف الربيع الآخر» وسيد أوبرا في «أوبرا عايدة». وكذلك عبر شخصيات غاية في التناقض يصل إلى حده الصارخ مثل دور «جحا» الساذج في «جحا المصري» والزعيم الحزبي المرموق في «سكة الهلالي»، وفي الوقت الذي توقع الجميع موسماً رمضانياً خاسراً له  بعد اعتذاره عن بطولة مسلسل «الملك فاروق» كان في جعبة الفخراني وليمة درامية دسمة حصل من خلالها على جائزة أفضل ممثل خلال شهر رمضان الماضي حسب عدد كبير من الاستفتاءات المهمة من خلال مسلسل «يتربى في عزو».


تحريض 
الفخراني الذي يتحفظ عن التصريح بحقيقة القيمة المالية التي يتقاضاها عن أي عمل لم ينف ولم يقر صدقية كونه أعلى  نجم عربي أجراً في الوقت الحالي، معتبرا أن قيامه ببطولة الفيلم الجديد «محمد علي» الذي كتبت السيناريو الخاص به زوجته الدكتورة لميس جابر أفضل استرضاء عن اعتذاره عن المشاركة في مسلسل «الملك فاروق»، مضيفاً  في حواره مع  «الإمارات اليوم» «بقي أجري لعقود الأدنى مقارنة بزملائي الفنانين، وحتى وقت قريب جداً، لدرجة أن الكثيرين منهم حرضوني على ضرورة التمسك بمقابل مادي أعلى مما كنت أتقاضاه، كي لا أعرضهم لإحراج مع المنتجين، لا سيما أن ثورة الفضائيات غيرت معالم الإنتاج الدرامي في الوطن العربي، فإذا كانت شركة الإنتاج تحقق ارباحاً مجزية جراء بيع المسلسل إلى عدد كبير من الفضائيات الملحّة على طلبه، فضلاً عن أن هذه الفضائيات تسترد أضعاف ما دفعته للمنتج عبر الفواصل الإعلانية أو اشتراكات المشاهدين بالنسبة للمشفرة منها، فما المانع إذن أن يجني الممثل ثمرة إبداعه، لا سيما أنني لا أقوم بأكثر من مسلسل واحد سنوياً ، فالمسألة لم تعد كم يتقاضى الفنان، بل بمدى تأثيره في الجمهور».


معالجة
وأكد الفخراني أن ما يشغله حالياً هو «تقديم أعمال شديدة الصلة بواقع المجتمع وقضاياه المعاصرة»، مضيفاً «حتى في حالة التطرق إلى مرحلة تاريخية بعيدة زمنياً، كما  الحال في مسرحية «الملك لير» التي أعيد عرضها أكثر من مرة في مصر وأقوم ببطولتها، لأنها تعالج قيماً ومشكلات إنسانية صالحة للطرح دائماً في أي مرحلة، وهو ما يحفزني على أن أوصي بمواصلة عرضها حتى بعد مماتي».


الفخراني الذي سبق له رفض الاشتراك في فيلم «المصير» للمخرج يوسف شاهين، بسبب تحفظاته على بعض بنود العقد، أكد أنه غير نادم على اعتذاره عن أداء بطولة مسلسل «الملك فاروق»، رغم النجاح الشديد الذي حققه العمل، مضيفاً  «استطعت بصعوبة اقناع زوجتي د. لميس جابر بأنني لست الشخص المناسب للقيام بهذا الدور نظراً لاعتبارات كثيرة أهمها عامل السن، لا سيما أن لميس ظلت عاكفة على كتابة السيناريو الخاص به نحو 10 سنوات، وفي مخيلتها أنني من سيجسد دور الملك فاروق فيه، ولم تدر أن 10 سنوات كفيلة جداً بأن تفصل بيني وبين هذا الدور، لا سيما أن المساحة الزمنية في السيناريو التي تسلط الضوء على شباب الملك كبيرة، وحتى في حالة قيامي بالدور كنت سأضطر إلى الغياب نحو ثلث الحلقات تقريباً، وهو أمر يبدو في غير صالح العمل الفني».


تعويض
وأبدى الفخراني إعجابه الشديد بأداء الممثل السوري تيم الحسن في «الملك فاروق» مضيفاً «أسرة الملك فاروق (الفنية) بشكل عام تعاملت مع العمل بحرفية شديدة سواء من حيث الرؤية الإخراجية للعبقري حاتم علي أو الأداء الراقي للممثلين وعلى رأسهم الفنان تيم الحسن، وغير ذلك من عناصر السيناريو والتصوير والإضاءة والديكور». وحول ردة فعل زوجته بعد اعتذاره عن «الملك فاروق» قال الفخراني «لا شك أن الأمر كان محفوفا بصعوبة شديدة، لكنها في النهاية تفهمت واحترمت قراري في ضوء وجود عمل سينمائي ضخم سيجمعني بها هو «محمد علي» الذي قامت بكتابة السيناريو الخاص به د. لميس جابر ويتعرض لفترة حكم محمد علي باشا لمصر وتنتجه شركة «جود نيوز» ويخرجه أيضاً المخرج السوري حاتم علي، ويكاد يكون كامل الطاقم الفني هو طاقم الملك فاروق، ما اعتبرته استرضاء  أو معادلة جيدة يمكن أن يقدم لها».


عودة متأخرة
وبرر الفخراني العودة المتأخرة إلى الفن السابع بعد نحو 17 عاماً من تاريخ تقديمه «مبروك وبلبل» الذي شاركه في بطولته الفنانة دلال عبد العزيز، بغياب النصوص الجيدة، مشيراً إلى أن «السينما المصرية تعرضت كغيرها لمنحنى هبوط مبرر عربياً بإطلاق عدد كبير من الفضائيات في مراحل زمنية متعاقبة، أثرت في مدى الإقبال الجماهيري على دور العرض، وهو أمر آخذ في التصحيح الآن».


وفيما يتعلق بمدى حرصه على الوجود في الموسم الرمضاني أكد صاحب دور «حمادة عزو» أن «التسابق المحموم بين الفنانين على تقديم أعمال مميزة خلال الشهر الفضيل، يعود للإعلام نفسه، الذي جعل من هذا الشهر فترة تقييم سنوية لكل الفنانين»، معتبراً من لم يشارك منهم بأي عمل تلفزيوني بمثابة تلميذ متغيب عن أداء الامتحان، بينما صاحب الأعمال المتواضعة هو «تلميذ راسب لا تشفع له أعماله طوال العام بغض النظر عن مستواها الفني».


رفض
وأكد صاحب أفلام «الكيف» و «الذل» و «خرج ولم يعد» و«إعدام ميت»، رفضه الكثير من المقولات النقدية الجاهزة التي تحدد قيمة العمل أحياناً بجنسه الإبداعي، مشيراً إلى أن «بعض النقاد يرون أن السينما هي ذاكرة الأمة، بينما آخرون يؤكدون أن الطريق إلى الجمهور لا يتم إلا عبر الشاشة الفضية، فيما يتفنن البعض بالفصل الحاد بين ما يسمونه المسرح الجاد والمسرح الهزلي، رغم أن  هناك في الحقيقة مسرحاً جيداً وآخر رديئاً، فمهما كانت جدية القضايا المعالجة مسرحياً، لابد من الاهتمام بمساحة كوميدية لأن الدراما بشكل عام يجب أن تعلو على الوظيفة التعليمية المباشرة بهذه المساحة،  كما أنه في المقابل لا يمكن أن يتساوى الممثل بالمهرج الذي يعتقد أنه يضحك الناس في الوقت الذي يكونون قد ملوا  من إسفافه، وهي موازنة يجب أن تحكم حتى الأعمال السينمائية والتلفزيونية، وليست المسرحية فقط».


ثنائي
وبشأن تعاونه للعام الثاني على التوالي رمضانياً مع صديقه الكاتب يوسف معاطي بعد «سكة الهلالي» في مسلسل «يتربى في عزو» ، قال الفخراني «خياراتي في أعمالي لا تتعلق باسم كاتب أو مخرج أو حتى منتج بعينه، لأنني أهتم بتقديم عمل ينجح جماهيرياً في المقام الأول، وهو أمر ظللت متوجساً منه طوال مراحل تصوير«يتربى في عزو»، وظللت هكذا حتى إذاعة الحلقة الأولى منه، والتي عرفت بعدها ردة فعل الجمهور وتأكدت أن العمل في طريقه للنجاح». 


وحول أكثر لقطات المسلسل تأثيراً في الجمهور وهو مشهد وفاة أم الشخصية المحورية التي أداها الفخراني «حمادة» التي كانت محور حياته رغم بلوغه عامه الستين وهي «ماما نونا» التي جسدت دورها درامياً الفنانة كريمة مختار، قال الفخراني إنه اجتهد في تمثيل مشاعر فقدان الأم، لا سيما بعد أن خلع طوال مشاهد التمثيل الطويلة عباءة يحيى الفخراني، مستبدلاً بها عباءة الستيني المدلل المستهتر الذي يتملص من مسؤولياته حتى تجاه أبنائه في سبيل إشباع رغباته، مستنداً إلى أم تكرس كل حياتها لإرضائه، ليجد ذاته أمام مشهد يفقد فيه في لحظة كل شئ .  


شخوصي تسير بينكم

قال الفنان يحيى الفخراني «جميع شخوصي التمثيلية هي شخصيات تتحرك كل يوم في شوارعنا العربية، وستجدونها بينكم تحيط بكم ربما في كل لحظة»، فحمادة الرجل الستيني المستهتر المنساق وراء شهواته، موجود ونصادفه بشكل ربما شبه يومي، وعباس الدميري أيضاً في «عباس الأبيض في اليوم الأسود» موجود كنمط بشري معاش، بل إنه شديد الشبه بالفعل بشخصية والد زوجتي، لأنني أحرص في كل عمل أقدمه أن يكون شديد التماس مع واقعنا المعاش، حتى وإن كان تاريخياً». لكن الفخراني رفض الإقرار بصحة استنتاج نقدي قد يكون مثيراً للجدل السياسي حول ما إذا كانت شخصية الدكتور مصطفى الهلالي مؤسس حزب الفضيلة في مسلسل «سكة الهلالي» هي معادل موضوعي لشخصية صديقه د. ايمن نور  مؤسس حزب الغد المصري الذي يقضي حالياً عقوبة السجن بعد إدانته في قضية تزوير.


جيد وليس جاداً

تحفظ الفنان يحيى الفخراني على تقسيم بعض النقاد للأعمال المسرحية ما بين مسرح جاد وآخر هزلي، مؤكداً أن «التصنيف الذي نلمسه في مسرحنا العربي يجعلنا نفصل فقط بين مسرح جيد وآخر رديء، فالمسرح المجرد من الكوميديا مباشر  وتعليمي، فيما المسرح المفرغ من طرح قضايا جادة عبر الإغراق في الكوميديا ساذج وسطحي، وستظل أحد وظائف المسرح الجوهرية هي ملامسة القضايا الحياتية للمجتمع في إطار من الإمتاع الذي لا يجافي الذوق العام».


الفخراني الذي يستعد لبطولة فيلم «محمد علي» بميزانية إنتاجية هي الأعلى عربياً قاربت الـ50 مليون جنيه مصري، سيراهن في الموسم الرمضاني المقبل على مسلسل جديد هو «شرف فتح الباب» الذي لم يتم تسويقه فضائياً حتى الآن .