«كذبة أبريل».. تاريخ مُبهم يحتفي بالخدعـة


يتخذ العديد من الأشخاص من «أول أيام شهر أبريل» فرصة للمزاح، ونشر المرح بين بعضهم بعضاً، وترتيب الخدع والمقالب بالمعارف تحت مبرر ما يحمله هذا التاريخ المعروف عادة بـ «كذبة أبريل» أو بترجمته الحرفية «خدعة أبريل» وهي العادة التي سرت بين شعوب العالم المختلفة، رغم عدم وجود تاريخ محدد ومعروف يوثّق لمن ابتكرها أو متى، إلا أنها تحوّلت إلى موعد ينتظره البعض مخططاً، ويعيشه البعض الآخر ضحية.


وعلى الرغم من عدم تمكن الباحثين والمؤرخين من تحديد واقعة ما ترتبط بهذه الحكاية، او سبب منطقي أو واقعي لهذه العادة السنوية، إلا أن الأول من أبريل، اعتبر على مر العصور، ومع اختلاف الأديان والمعتقدات ذا أهمية ما، قد تتصل بأهمية دخول فصل الربيع المبهج، فقد كان نيسان(أبريل)، بالنسبة إلى للإغريق يمثل شهر الربيع الذي تبدأ فيه احتفالات الإلهة فينوس، رمز الحب والخصب والجمال، فكان مصدر مرح وسعادة لهم، حيث كانت الأرامل والعذارى يتجهن إلى معبدها يكشفن لها عن معاناتهن ومشكلاتهن الجسدية والنفسية، ويبتهلن لها أن تخفي هذه المشكلات عن أنظار الأزواج والرجال، بينما كان يعتبر هذا الشهر بالنسبة إلى الأقوام الساكسونية شهراً للاحتفال بإلهتهم إيستر، وهي الفترة التي يحتفل بها الهندوس بعيدهم «هولي»، إضافة إلى عدد آخر من المناسبات المرتبطة بهذه الفترة، ليتحوّل مع الزمن إلى موعد يباح فيه المرح والمزاح الذي تركز مع الزمن على فكرة المقالب والخدع بين شعوب العالم، عدا الإسبان الذين يعتبرونه يوماً دينياً مقدساً بالنسبة إليهم، إضافة إلى الألمان الذين يبجلونه لتوافقه مع تاريخ ميلاد زعيمهم المحبوب «بسمارك».


فسخ خطوبة
تعترف سلوى سالم (25 عاماً) من دبي، بأنها كانت ضحية «كذبة أبريل»، وهي الكذبة التي تعتبرها الأسوأ في حياتها والأكثر استفزازاً، «حيث مر اليوم في بدايته بشكل طبيعي جداً دون أن اتعرض للمزاح أو الكذب، إلا أنني فوجئت بخطيبي لاحقاً في اليوم نفسه يفتعل مشكلة كبيرة من أمر تافه جداً، ويطلب مني إنهاء العلاقة، الأمر الذي صدمني جداً»، مشيرة إلى أنه أكمل المقلب «لدرجة وصلت إلى خلع خاتم الخطوبة وإتلافه لصورنا أمامي، الأمر الذي لم أتحمله إطلاقاً»، مضيفة أن الأمر لم يتوقف على أول أبريل فقط، بل انتقل أثره إلى اليوم الثاني، «حيث طلب مني مقابلته والاعتذار والاعتراف بأن الأمر بدأ ببساطة كذبة سمجة لكنها انتهت بشكل مأساوي لم يتمكن من السيطرة عليه»، مشيرة إلى أنها وعلى الرغم من مسامحتها له إلا أنها لاتزال حتى الآن تشعر بضيق شديد جداً عند تذكر ذلك اليوم الذي مر عليه عام كامل، «خصوصاً حين أذكر كيف شعرت في تلك اللحظات، وكيف أتلفت صورنا وذكرياتنا الجميلة لسبب تافه جداً».


ولا ترى سلوى ك. (27 عاماً) من الشارقة، أي شيء مميز أو مثير للمرح في فكرة خداع الآخرين أو الضحك عليهم، «فالمزاح يعني اشتراك الجميع في الاستمتاع به، ولا أجد أن ترتيب المقالب وخداع الآخرين أو إشعارهم بالإحراج أمر ممتع أو مثير للضحك»، معتبرة إياه «أمراً مثيراً للشفقة ورغبة من صانع المقلب أو الكذبة بلفت أنظار الآخرين إليه على حساب شخص آخر»، مبينة أنها لم تواجه يوماً مقلباً في هذه المناسبة، ولا ترغب في أن تكون ضحيته يوماً، «لأنني لست من النوع الذي قد يتقبل المزاح الثقيل، ولست ممن يفقدم عليه أيضاً».


قد يكون مسلياً
ويبين علي أحمد (26 عاماً) فلسطيني، أنه يعمل في شركة تقوم سنوياً، سواء عبر الإدارة أو موظفيها بنشر شائعة أو خدعة أو مقلب في هذه المناسبة، «حيث نشرت شائعة في إحدى المرات أنه سيتم زيادة رواتب موظفي الشركة بنسبة 30% الأمر الذي اكتشفنا في الأول من أبريل أنه كان خدعة من أحد الموظفين الذي حرص أن ينشر الشائعة قبل أيام من هذا اليوم لتضطر الشركة لإيضاح أن الأمر كان مزحة من أحدهم، بينما قامت موظفة أخرى أعلنت سابقاً عن حملها، بأن حملها كان كذبة، لتعترف لاحقاً بأن تكذيبها لحملها كان كذبة أيضاً»، الأمر الذي يعتقد أنه كان تافهاً وغير مسلٍّ، متسائلاً «كيف يمكن لحمل زميلة أن يكون خبراً جيداً أو سيئاً بكل الأحوال، فحملها من عدمه لا يشكل في نهاية الأمر سوى خبر اعتيادي ليس له أي اعتبارات إضافية مجرد التهنئة من باب الذوق، فلم قد تُقدم أمٌّ، أو امرأة على مثل هذه الفكرة السمجة في مكان عمل؟»، معتبراً أن المزاح بين الأصدقاء على فكرة هذا اليوم وما يحمله من قصص وأخبار هو ما قد يكون مسلياً، «إلا أن الإقدام الفعلي على القيام بمقلب أو خدعة، خارج نطاق الأصدقاء المقربين جداً وبعيداً عن إيذاء الآخر، يعتبر أمراً سلبياً وبعيداً عن الذوق»


الكذب للنساء
ويذكر أحد المواقع الإلكترونية أن الباحث الإنجليزي جون شيمل الذي شغل نفسه بالكذب وبالبحث عن أصوله ودوافعه ومسبباته، قد بين «أنه إذا كان الكذب قد اصبح صفة يتميز بها البشر عن سائر المخلوقات، ويستخدمونه في شتى مرافق الحياة واتصالاتهم العامة أو الخاصة، فإن كل الأدلة تثبت أن المرأة أكثر استخداماً للكذب من الرجل».


ويضيف أن السبب في ذلك «يرجع إلى عاملين: أولهما عامل نفسي عاطفي، فالمرأة أكثر عاطفية من الرجل، ولأن الكذب حالة نفسية ترتبط بالجانب العاطفي أكثر من ارتباطها بالجانب العقلاني فالنتيجة الطبيعية أن تكون المرأة أكثر كذباً من الرجل»، وتابع «والعامل الثاني هو أن الكذب بصفة عامة هو سمة المستضعفين والإنسان غالباً ما يلجأ إلى الكذب لإحساسه بالضعف من حالة المعاناة والاضطهاد، وللهروب من واقع أليم يعيشه، ولأن المرأة خلقت أضعف من الرجل، وعاشت على مر العصور وفي مختلف المجتمعات البشرية تعاني الاضطهاد والقهر؛ فكان لابد أن تلجأ إلى الكذب».


تاريخ المناسبة
اختلف الباحثون حول حقيقة تاريخ «كذبة أو خدعة أبريل» وحول الأسباب الحقيقية لانتشارها أو نشوئها من البداية، إلا أنهم أجمعوا على أنها تقليد أوروبي قائم على المزاح، يقوم فيه بعض الناس في اليوم الأول من أبريل بإطلاق الشائعات أو الأكاذيب أو إقامة المقالب، ليطلق على من يصدقها أو يقع ضحيتها «ضحية كذبة أبريل» أو كما يطلق عليه الفرنسيون «سمكة أبريل».


ويتردد أن هذه العادة قد بدأت في فرنسا بعد أن قام البابا في تلك الفترة بإقرار التقويم الجديد، والذي يعتمد الأول من يناير بداية عام جديد، وهو ما تبناه الملك الفرنسي شارل التاسع مباشرة بعد إقراره، فكانت فرنسا أول من تبنى التقويم الجديد عام 1564،  بدلاً من الاحتفال برأس السنة الجديدة في 21 من مارس والانتهاء من الاحتفالات في الأول من أبريل، ومع تحول الاحتفالات إلى الأول من يناير، بقي من الأفراد من رفض التقويم الجديد، أو من لم يسمع به، فكانوا محط سخرية من الآخرين، وسقطوا ضحية مقالب وكذبات ممازحة بسبب ذلك، الأمر الذي يقال إنه انتشر من فرنسا إلى سائر أوروبا تقليداً سنوياً في ذكرى تغيير التقويم، بينما انتقل إلى القارة الأميركية مع انتقال الأوروبيين إليها.


وعلى الرغم من أن هذه الفكرة راجحة، إلا أن البريطانيين تبنوا التقويم الجديد في القرن الـ18 الميلادي، إلا أن «كذبة أبريل» كانت رائجة ومنتشرة في بريطانيا قبل ذلك بقرون، الأمر الذي يوقع الفكرة الأولى تحت طائلة الشك. بينما يرى باحثون آخرون في أصول وتاريخ الكذب، أن نشأة هذا اليوم تعود إلى القرون الوسطى إذ إن شهر أبريل في تلك الفترة كان وقت الشفاعة للمجانين وضعاف العقول فيطلق سراحهم في أول الشهر ليصلي العقلاء من أجلهم، لينشأ العيد المعروف باسم عيد جميع المجانين «أول فوولز داي».


أشهر مقالب التاريخ   نشرت إحدى الصحف الرومانية خبراً لم تتحرَ صحته، ورد فيه سقوط سقف إحدى محطات السكك الحديدية على مئات المسافرين في العاصمة وموت العشرات، مما تسبب بذعر الأفراد، فطالب المسؤولون بمحاكمة رئيس تحرير الصحيفة، فلم يكن من رئيس التحرير سوى تفادي الخطأ بإصدار تنويه لتكذيب الخبر ومطالبة المسؤولين بالتدقيق في تاريخ صدور الخبر الذي ترافق مع أول أيام إبريل، في رومانيا الشهيرة بشغف شعبها بهذا اليوم، لتدأب الصحيفة على نشر خبر مماثل في التاريخ ذاته من كل عام.


 وزعت عام 1698 في انجلترا بطاقات مختومة على المئات من سكان لندن، شملت دعوة لمشاهدة حفل «لغسل الأسود» على برج لندن صباح الأحد الأول من إبريل، لتسارع جموع غفيرة للمكان ومشاهدة الحفل المزعوم.


 قام رسام شهير برسم ورقة نقدية قيّمة على أرض أحد المتاحف قبيل زيارة الملك لها، ليأمر الملك مساعديه بالتقاط العملة ولكن دون جدوى، بينما قام الرسام ذاته في عام آخر برسم عقب سيجارة مشتعل على أرض المتحف ليراقب الناس يهرعون لالتقاطها تفادياً لاندلاع حريق في المتحف دون أن يتمكنوا من ذلك. 
ارتفاع مبيعات «الخدع»
عادة ما تستعد أسواق الألعاب والأدوات التي تستخدم في المقالب لاستقبال الفترة الأكثر نشاطاً خلال العام مع اقتراب الأول من ابريل، حيث يوضح عبدالرحمن، البائع في احد محال الألعاب الغريبة والمقالب في احد المراكز التجارية في دبي، أنه عادة ما يكون هناك إقبال شديد من الزبائن ومرتادي المتجر على ابتياع الألعاب خلال هذه الفترة من العام، «حيث تتركز المبيعات عادة في هذه الفترة على الألعاب المبنية على فكرة المقلب، سواء تلك المنتجة لتيار كهربائي من خلال لمس لعبة معينة، أو تلك المصدرة لأصوات مضحكة أو مخجلة، أو الألعاب الأخرى المصدرة لروائح كريهة»، مشيراً إلى أن غالبية مرتادي المتجر ومقتني هذا النوع من الألعاب هم من صغار السن الذين لايزالون في المرحلة الدراسية، «حيث يقومون بابتياع هذه المنتجات، التي نحرص على إبرازها من خلال أسلوب العرض خلال هذه الفترة، لتجربتها بين أصدقائهم وزملائهم في المدرسة أو خارجها، حيث يعتبرون هم الزبائن الأكثر إقبالاً على المتجر عامة، وخلال هذه الفترة خاصة».


وقد ذكرت صحيفة «ويسكونسن ستايت جورنال» على أحد المواقع الإلكترونية، أن سوق الألعاب والمقالب الأميركية تجلب أكثر من 250 مليون دولار سنوياً، بينما قالت الناطقة باسم شركة جون سميث، وهي واحدة من كبريات الشركات المتخصصة في المقالب، ليزا هاهن، «إنه أمر مذهل لأن الكثير من هذه الأشياء تباع بمبلغ دولار واحدة فقط، حيث تعتبر أحد الأسباب الرئيسة التي تمنح الألعاب التقليدية مركزها المرموق في السوق، على الرغم من وجود المواقع الإلكترونية التي يمكن أن تحمل منها أي صوت، الا أن الأطفال يجدونها دائماً طريفة ومضحكة للغاية».