رسائل مزعجة - الإمارات اليوم

رسائل مزعجة

أحمد السلامي

 

أصبح تفقد البريد الإلكتروني جزءاً أساسياً من حياتنا اليومية شئنا أم أبينا، بينما تحولت صناديق البريد التقليدية فجأة إلى مجرد ذكرى، رغم حميمية اللحظات التي كان الواحد منا يعيشها أثناء ملامسته لكل رسالة جديدة تصل من صديق أو قريب، ورغم أنني لست من هواة جمع الطوابع البريدية، إلا أن تساؤلاً خطر في ذهني حول مدى صمود هذه الهواية في زمن البريد الإلكتروني؟
 

أتذكر الآن جملة شعرية يكررها الشاعر اللبناني جوزيف حرب بصوت حزين في إحدى قصائده «لماذا لم يراسلني أحد؟»، هذه الجملة التي أعادتني لتذكر كل لحظات اليأس التي مررت بها كلما ذهبت إلى مكتب البريد ووجدت صندوقي فارغاً، أما الآن، وفي ظل تدفق سيل الرسائل الإلكترونية، سيكون على جوزيف حرب تبديل جملته الشعرية الحزينة بجملة أخرى، لكنها لن تعبر هذه المرة عن اليأس، بل عن القرف والضجر من ازدحام الرسائل المزعجة التي تغزو بريدك وتتطلب منك كل يوم وقتاً لكنسها بمكنسة الصبر، وستحتاج أيضاً لقدر من الحكمة والتمهل كي لا تحذف معها الرسائل أو الردود التي كنت بانتظارها.


قد نتجاوز عن الرسائل الإعلانية التي تبعثها الشركات الأجنبية المتعاقدة مع مواقع الانترنت المعنية بتقديم خدمة البريد المجاني، لكن الإزعاج الذي لا يُحتمل يأتيك من طرف أشخاص أصبحت وظيفتهم اليومية تتركز في غزو بريدك برسائل لا علاقة لك بمضمونها ولا بأصحابها.


ونمتاز نحن العرب بالقدرة على التواصل المباشر في ما بيننا، فمن السهولة أن تجري حواراً مطولاً مع أي شخص تجده أمامك، وقد يفرض عليك أحدهم الحديث حول موضوع لا يهمك، وهكذا انتقلت العدوى، إذ يتعامل البعض مع الانترنت وخدماته الاتصالية بعفوية، وربما بغباء، لا يراعي بروتوكولات التخاطب، والحال أن إجبارك على تلقي رسالة عن فوائد الرضاعة الطبيعية لا يختلف عن حديث سائق التاكسي معك بتلقائية شديدة حول روماتيزم المفاصل والطب البديل.


خلاصة المشكلة أن بعض مستخدمي الإنترنت يشكلون مجموعات بريدية ذات اهتمامات متنوعة، لكنهم يوجهون رسائلهم الجماعية لكل من هّب ودبّ، وعلى سبيل المثال هناك مجموعة تركز على جوانب صحية دقيقة تهم الأطباء المتخصصين، ويظن صاحبها أن على جميع البشر أن يهتموا بقراءة نصائحه وإرشاداته، ولتحقيق هذه الغاية قام بجمع أكثر عدد ممكن من العناوين البريدية وبدأ حملته الوقائية ضد الفيروسات، وقد لا يعلم أن رسائله المتكررة تجلب الصداع وتسبب فقر الدم.


ولا تخلو بعض الرسائل العشوائية من المرح الذي يساعدك على إيجاد أحلام اليقظة السعيدة كتلك الرسائل التي تخبرك بأنك فزت بجائزة اليانصيب البريطاني وأنك حصلت على عدة ملايين من الجنيهات الإسترلينية، أو تلك التي تخبرك بالحل السحري لكيفية تحويل وضعك السيئ إلى منجم من ذهب، وأحياناً قد تصلك رسالة مجهولة تقول صاحبتها إنها أرملة زعيم إفريقي راحل وإن زوجها ترك لها ثروة طائلة، وستقول لك إنها قد اختارتك وكيلاً لاستثمار أموال المرحوم.


ويتحدث الجميع عن ثورة المعلومات، ولست رجعياً ولا أقف ضد هذه الثورة، لكن بعض مستخدمي الانترنت جعلوا عناويننا البريدية تمتلئ بـ«زبالة المعلومات» وتركوا أصابعهم المهووسة تعبث على الكمبيوتر لدرجة أن مساهمة العرب في محتوى الشبكة العالمية محدودة جداً، والحصيلة لا تتعدى حفنة منتديات للتسلية ومواقع مستنسخة يرتهن تحديثها لتقنية القص واللصق، باستثناء عدد قليل من المواقع التي تقف خلفها جهود مؤسسية واضحة.    

slamy77@gmail.com

طباعة