ميركل تروّج زيف السلام مع إسرائيل

 
أنيس حمادة *

لو أن المستشارة الألمانية انغيلا ميركل  مهتمة فعلاً بأمن اسرائيل كما تدّعي، لما القت ذلك الخطاب في الكنيست الإسرائيلي في 18 من مارس الجاري، حيث زعمت ان اسرائيل احدى اقل دول العالم امناً. وطبقاً لخطاب ميركل فإن حركة المقاومة الإسلامية «حماس» و«حزب الله»، وسورية، وايران، هم المسؤولون عن هذا الوضع، والذين كالت لهم المستشارة كل الانتقاد. وقالت ميركل ان اسرائيل تحارب منذ 60 عاماً ضد اخطار تتهددها، ومن اجل السلام والأمن، حاملة قيم الحرية والديمقراطية، والكرامة الإنسانية. فهل هذا الكلام صحيح؟ لماذا يستنكر المفكرون اليهود داخل اسرائيل وخارجها، ومنهم ناجون من المحرقة النازية، بصورة متزايدة وبقوة، التحلل الأخلاقي، وعسكرة المجتمع، وسياسة التدمير الذاتي التي تنتهجها اسرائيل؟ من هؤلاء، يوري افنيري، واميرا هاس، وييوري ديفيزس، وفليسيا لانغر، ونعوم تشومسكي وآخرون، اضافة الى مؤسسات مثل «بيتسليم» و«زوكروت» و«ارابيز لحقوق الإنسان» والقائمة تطول. وهذه مجرد امثلة، ويشعر كل واحد من هؤلاء الأفراد، او   تلك المؤسسات بالقلق على امن اسرائيل، وكتبوا واحتجوا انطلاقاً من شعورهم بالمسؤولية.

 

ولانزال نعاني ظاهرة مفادها: ان من ينتقد اسرائيل يعتبر معادياً للسامية،  او كارهاً لنفسه اذا كان يهودياً.


وقدّم المؤرخ ايان بابي في كتابه الحالي «التطهير العرقي في فلسطين» ادلة على ان تأسيس اسرائيل كان مقترناً بجرائم ضد الإنسانية .وتم طرد معظم السكان الأصليين بوحشية، في حين قتل عدد كبير منهم، وتم تدمير مئات القرى والمزارع. والسؤال الذي يطرح نفسه: أيّ سلام يمكن التوصل اليه عن طريق تجاهل مثل هذه الحقائق؟ اي سلام يمكن التوصل اليه في ظل تجاهل الاحتلال الذي استمر لأكثر من عقود عدة للضفة الغربية وقطاع غزة؟ وضم جزءاً من سورية؟ ما هو السلام الذي يأمل المرء بالتوصل اليه في الوقت الذي تم فيه بناء جدار يقتطع الأراضي المحتلة؟ وعندما يتم تشييد المستوطنات على الأراضي المحتلة وتوسيعها حتى اليوم، رغم ان ذلك مناقض للقانون الدولي؟ وعندما يتم اغلاق خزانات المياه وبناؤها خارج الأراضي الفلسطينية؟ وعندما يتم الاعتداء على السكان ومعاملتهم بعنف بسبب اختلافهم العرقي؟ عندما يتم الغاء انتخابات ديمقراطية  لشعب مجاور، الأمر الذي نجم عنه حرب اهلية؟

 

وقالت السيدة ميركل ان المانيا «مصممة» على الالتزام بـ«رؤية الدولتين» ولكن هذا ما انفكت اسرائيل في ترديده منذ عقود، في حين ان الأراضي الفلسطينية تتقلص باستمرار نظراً لعمليات الضم والتفتيت؟ انها ذرائع تقال وليس لها اي معنى، خصوصاً عندما تظل حكومة «فتح» الفاسدة على قيد  الحياة، والتي اصبحت معزولة تماماً عن شعبها. ولا يتمتع ممثل فلسطين في المانيا حالياً برتبة سفير، كما انه لا يتحدث اللغة الألمانية، وغير ملتزم بمصالح شعبه. وجاء من عصبة تونس سيئة السمعة، ويشعر بالسعادة مع ايهود اولمرت وميركل اكثر من وجوده بين شعبه. 


وقام احد مستشاري محمود عباس بتهريب الاف عدة من الهواتف النقالة أخيراً من عمّان. ولطالما اقترنت «فتح» بالفساد و«حنفيات» المياه الذهبية والسياسة الأنانية الديكتاتورية. وبالطبع لن يتم انشاء دولة على هذا الوضع.

 

وقالت ميركل «60 عاماً من بناء الدولة الذي قامت به اسرائيل على نحو رائع»  ولكن ما الفائدة من النفاق للمسؤولين الإسرائيليين، وتشجيعهم على سياستهم الهدامة؟ يجب ايقاف العنف ضد الشعب المحتل في البداية. وعلى اسرائيل ان تعترف باحتلالها، والا فإنها يجب ان تتوقع مقاومة الشعب الواقع تحت الاحتلال. ولسوء الطالع، فإن الأمور ليست كذلك في سياسة الدول، فإسرائيل واليهود هم ضحايا التاريخ حتى يومنا هذا.

 

 وهذا ما يتعلمه كل طفل في اسرائيل. وقال توماس شميدت رئيس تحرير صحيفة «دي فيلت» اليومية في 16 من مارس الجاري «لطالما وقفت المانيا الى جانب اسرائيل، ولكن استطلاعات الرأي اظهرت اكثر من مرة ان العديد من الألمان يتفهمون مشكلات الفلسطينيين، وينتقدون اسرائيل واعمالها  العدائية». 


والمزعج ان اسرائيل تتحدث دائماً باسم يهود العالم، حيث تنتهك حقوق الإنسان، والقانون الدولي باسم اليهود، الأمر الذي سيؤدي الى نزعات مضادة لليهود. والسؤال المطروح لماذا تعمل اسرائيل ضد مصلحتها؟ من البداية كانت اسرائيل مسكونة بهاجس المذابح النازية. ولذلك كانت تطلق على القادة العرب والمسلمين امثال ياسر عرفات والشيخ ياسين لقب «هتلر». واذا لم يتغلب الضحايا على هاجسهم، فإنهم سيتحولون الى جلادين، وهذا ما حدث في اسرائيل في تعاملها مع الفلسطينيين.


وتتعرّض الأخبار المتعلقة بإسرائيل وفلسطين في الإعلام السائد في المانيا لـ«مراقبة» شديدة وتزييف احياناً. ويظهر بعض المواقع مدى التباين الشديد بين ما يتم تداوله في المانيا وما لا يتم. ويمكن اختصار السياسة الألمانية تجاه اسرائيل بـ«معادية للسامية» تحولت الى «محبة للسامية»، اي ان اليهودي الشرير اصبح اليهودي الطيب. والحالتان عنصريتان ولا تساعدان احداً؛ اذ انهما تعزلان اليهود عن الآخرين.


ونتفهم نحن الألمان ان  النشيد الوطني النازي لألمانيا «المانيا فوق الجميع» كان خاطئاً، ولكن كيف يمكن ان تكون فرضية «اسرائيل فوق الجميع» جيدة. او الولايات «المتحدة فوق الجميع»، وكان جورج بوش قد شن حرباً عدوانية على العراق. وكانت الحرب العدوانية هي التهمة الرئيسة في محاكم نوريمبورغ.


وأي شخص يعتقد ان المانيا غير مؤهلة لانتقاد اسرائيل نظراً الى ماضيها، يكون خاطئاً لأن اسرائيل تدمر نفسها، والمانيا تشجعها على مواصلة ذلك. وليس صحيحاً ان اسرائيل لا تكترث بكلام احد عندما يتعلق الأمر بالسياسة. ولكن المانيا فضلت سلوك الطريق الأسهل؛ حيث تحوّلت من مؤيدة للنازية بالمطلق، الى مؤيدة لإسرائيل والولايات المتحدة بالمطلق. ولذلك؛ فإنها شريكة في النتائج.



 * مدير موقع «أنيس أونلاين» الألماني