«المســــابقات الشعــــــــــرية».. ظاهرة تلفزيونية - الإمارات اليوم

«المســــابقات الشعــــــــــرية».. ظاهرة تلفزيونية

  

اثار ظهور العديد من المسابقات الشعرية في الفترة الحالية، ردود فعل متباينة من قبل المثقفين والشعراء، حيث رآها البعض وسيلة لنشر الثقافة وإحياء الشعر العربي والخروج به من النطاق الضيّق الذي انحسر فيه خلال السنوات الاخيرة، إلى قاعدة اكبر جماهيرية. بينما وجد البعض الآخر في هذه المسابقات وسيلة للاتجار بالشعر والثقافة من أجل الربح المادي، ما يقلل من قيمة الشعر ومكانته، خاصة مع ظهور برامج مختلفة للمسابقات الشعرية شهدت خلافات ومشكلات كبيرة بين القائمين عليها والمشاركين من الشعراء، وكذلك مع ظهور عدد كبير من النسخ المتشابهة من هذه البرامج، دون ان يقدم أي منها أي جديد او اضافة نوعية على غيره من البرامج.

 

المدير العام لهيئة ابوظبي للثقافة والتراث صاحبة اشهر مشروعين شعريين وأكبرهما هما «شاعرالمليون»، و«أمير الشعراء»، محمد المزروعي أوضح خلال إطلاق الاخير  أن «الشعر العربي لايزال مُشعاً متألقاً حاضراً في العقول والقلوب، ولكنه بحاجة إلى من يمنحه الاهتمام الإعلامي والمتابعة الجماهيرية التي يستحقها، ويُعيد تأصيله في نفوس الأجيال، ويُعيد إليه تلك المكانة التاريخية والإنسانية التي استحقها على مدى مئات السنين. لافتا إلى أن الهيئة وتمشياً مع استراتيجيتها الثقافية الطموحة، وبالتوازي مع مهرجان أبوظبي للشعر النبطي «شاعر المليون»، تسعى من خلال إطلاق مشروعها الرائد «أمير الشعراء»، إلى النهوض بشعر العربية الفصحى والارتقاء به، وتأكيد المكانة الثقافية المهمة لمدينة أبوظبي، ودورها في تعزيز تذوق الشعر العربي، وتحفيز الشباب على نظم الشعر وفن الإلقاء، وتنمية المواهب الشعرية ورعايتها، وإتاحة الفرصة لها للاحتكاك والتفاعل مع أهم أعلام الشعر العربي في العصر الراهن، خلا ل مشاركتها في البرنامج التليفزيوني.

 

ورأى المزروعي ان «أمير الشعراء» يمثل مناسبة إعلامية نادرة لتحفيز عشرات الملايين من الشباب العربي على دراسة الشعر العربي قديمه وحديثه، والاطلاع على أهم المدارس الشعرية التي تمثل العطاء الأدبي الخالد، إضافة إلى تعريفهم بالتراث العروضي، وإكسابهم القدرة على معرفة أوزان الشعر وقوافيه، وتنمية الحاسة الموسيقية في تلقي الشعر ونظمه.


ويجد المزروعي في الاقبال الشديد على المشاركة  في المسابقة، على الرغم من قصر المدة الزمنية المتاحة قبل انطلاق الدورة الأولى منها ـ حيث بلغ عدد المتقدمين للمنافسة أكثر من 5400 مرشح من 20 دولة عربية ـ دليلا واضحا على أهمية الفكرة.


بينما اشارت المديرة التنفيذية لشركة «بيراميديا» نشوة الرويني إلى أن «تحول العالم بأسره إلى قرية صغيرة، وانتشار الاقمار الصناعية في كل بيت عربي، وما ينتج عنه من سلبيات نلمسها جميعاً عبر البرامج التلفزيونية غير الهادفة، والتي تحد من قدراتنا العقلية والمنافية لعاداتنا وتقاليدنا وثقافتنا أيضاً، والتي أصبحت اليوم وجبة يومية إجبارية، كل ذلك دفعنا اليوم  إلى أن نذكر كل عربي بالثقافة والحضارة العربية، وبتراثنا العربي الذي يجعلنا نفخر بعروبتنا. فالشعر كان ولايزال أداة إصلاح اجتماعي وديني في المجتمع، وأن «شاعر المليون»، و«أمير الشعراء» كان لهما الدور الأكبر في الارتقاء بالحركة الشعرية في الوطن العربي، لتؤكد أبوظبي يوما بعد يوم أنها حقا عاصمة الثقافة العربية، بريادتها الفكرية لأهم المشروعات الثقافية في الوطن العربي.

 

استفزاز المبدعين
الشاعر والكاتب السعودي نايف الرشدان رأى أن «هذه المهرجانات تعبّر عن مستوى راق من النضج والوعي الثقافي، كما تعبّر عن اهتمام القيادة في الامارات وعنايتها بهموم الأمة وقضاياها، وعلى رأس ذلك العناية باللغة الفصحى، متمثلة بمشاريع مختلفة وإصدارات متميّزة ومهرجانات ثقافية حافلة والاهتمام بالموروث الشعبي».


ويعدّ الرشدان «مهرجان «أمير الشعراء» الذي كان احد اعضاء لجنة التحكيم فيه، كان له فائدة عظيمة على الشعر خصوصا، واللغة الفصحى عموماً، مشيرا إلى أنه «في هذا الزمن نحن بحاجة إلى استفزاز المبدعين وحثهم، حتى لو كان ذلك عن طريق هذه الألقاب الضخمة. ولما كانت قصيدة التفعيلة بما تحمله من قيم إيقاعية قادرة على الوقوف على قدميها بشكل كامل منبريا، حق لها أن تقدم الشعر الجديد خير تقديم، كما أن العربي بطبيعته مسكون بالشعر والشعر قد يمرض أو يخبو صوته، لكنه لا يموت ولا يفقد بحته الجميلة، فالمبدع العربي بمجرد أن تستفزه مثل هذه المعطيات وتستحثه هذه القيم الأدبية، يعلن تفاعله بشكل إيجابي ومثمر».

 

استنساخ
أمير الشعراء لهذا العام الشاعر كريم معتوق علق على انتشار المسابقات الشعرية على القنوات الفضائية وفي مختلف وسائل الإعلام قائلا: «جرت العادة على ان نجد حالات استنساخ للبرامج الأجنبية والعربية الناجحة في القنوات الفضائية المختلفة، والاستنساخ من حيث المبدأ ليس عيبا في العمل الفني، ولكنه يتطلب إضافة نوعية على الصعيد الإنتاجي والفني، أما أن يكون محاولة لحصد نجاح مسابقة أخرى، فلا بد ان تكون النتيجة تقديم برامج هزيلة بلا شخصية مميزة، ومن الطبيعي ان يغري «أمير الشعراء» ومن قبله «شاعر المليون» المحطات التليفزيونية الأخرى، ولكنها للأسف تبخل على برامجها، وعموما الشعراء ليسوا كمراهقي الأغنيات أو الرياضة، فالمبدع عادة يتأنى قبل المشاركة في أي برنامج، ومن شهد النجاح الذي حققه «أمير الشعراء» إعلاميا وجماهيريا، لن يقبل  الخوض بتجربة أقل منها في المستوى والاستعدادات والإمكانيات. فالمبدع الحقيقي ـ وهو الذي يشكل مادة أساسية لنجاح مثل هذه البرامج ـ اكثر حرصا على التعامل مع النسخ الأصلية، بعيدا عن أي تقليد، وهو غالبا ما يضع في حساباته القناة التي تنظم المسابقة ومستوى البرامج الاخرى التي تقدمها او تقوم بإنتاجها واتجاهاتها الفكرية، وغيرها من العوامل التي تساعده على تحديد موقفه واختياراته، وبذلك من الصعب ان ينجح برنامج ضعيف».

 

المتاجرة باسم الشعر
بينما ترى الشاعرة ميرة القاسم ان «هذه المسابقات تقلل من قيمة الشعر وتحوله إلى سلعة تجارية لأنها تعتمد على الترويج للشعر لمصلحة القيمة المادية، ولتأكيد ذلك، لابد ان نطرح اسئلة مهمة مثل؛ كم شاعرا يمكن ان تخلق هذه المسابقات؟ وهل عجزت المنابر الشعرية المتعددة والمفتوحة في مختلف دولنا العربية، عن تبني الشعر وقضاياه ومشكلاته؟»، مؤكدة ان «الامر في النهاية يصب في خانة المصالح التجارية والمادية، والحصول على اكبر عدد ممكن من رسائل الموبايل، خاصة بعد ان شجعت الجماهيرية التي شهدها برنامج «شاعر المليون»، ثم «أمير الشعراء»، البعض  على استنساخ هذه المسابقات بهدف مادي بحت، ليتحول الامر «متاجرة باسم الشعر والشعراء»، مع الاحترام لكل البرامج التي نجحت.

 

وتشير القاسم إلى انه من الصعب ان يكون للشعراء دور في الحد من هذه الظاهرة، من خلال اتخاذ موقف موحد تجاه المسابقات التي تهدف إلى تحقيق الربح التجاري، نظرا لأن لكل شاعر اسلوب تفكير خاصا به وشخصية مختلفة عن الآخر، مضيفة: «للأسف هناك أشخاص يتميّزون بالوعي، ورغم ذلك شاركوا في هذا النوع من البرامج، وعموما يظل معيار أصالة هذه البرامج هو مدى حرصه على تبني الشعراء وتشجيعهم، فإذا كان يسعى إلى هذا الهدف، فأهلا به ونرجو ان نجد منه العشرات، اما البرامج التي نرفضها فهي التي تساعد على الشللية والتكتلات وخلق الأحزاب بين الشعراء».

 

توازن
من جانبه يجد الشاعر والكاتب سالم بوجمهور أن «برامج المسابقات الشعرية لابد انها تقدم مردودا ثقافيا، حتى لو كانت تسعى إلى المردود المادي والتجاري، فمن الجيد ان يحقق من يحاول تنفيذ مشروع ثقافي مكسبا ماديا من مشروعه، وأن لا تكون الخسارة هي النتيجة الوحيدة لما يقوم به، تماما مثل صاحب المكتبة الذي يلجأ إلى بيع أدوات القرطاسية إلى جانب الكتب، ليحقق التوازن بين نشر الثقافة والمكسب المادي». مشيرا إلى ان «البحث عن الربح المادي في هذه البرامج، يتجلى في حرص القائمين على البرنامج على وجود أشخاص لهم جمهور وأسماء معروفة على الساحة الشعرية، لجذب الجمهور». ورغم ذلك يرى بوجمهور ان هذه البرامج قد تساعد على ظهور أسماء جديدة وليس مواهب جديدة، لأن الموهبة تكون موجودة قبل هذه البرامج والمسابقات».


ويوضح بوجمهور أن خطورة برامج  الشعر ومسابقاته تبدو في الشروط التي تضعها ادارة البرنامج على القصائد التي يلقيها الشعراء خلال البرنامج، لتحصرها في نوعية معينة من القصائد، وبالتالي يلتزم الشعراء بهذه القصائد والشروط الموضوعة، وهو ما يمثل توجيها للقصيدة العربية؛ توجيها رياضيا يخضع لشروط مسبقة بعيدا عن نبض الشارع وقضايا المجتمع، وهو ما يشكل انحرافا عن قضايانا. مستطردا: «في النهاية تظل الاولوية للمصلحة العامة والتي تتمثل هنا في تكوين جماهيرية الشعر العربي، بعد ان كان الاهتمام منصبا تماما على كرة القدم  و«ستار اكاديمي» والبرامج المشابهة، وهو ما يعني ان جمهورنا لديه استعداد لتقبل الأصالة والفن الاصيل».  


رمية من غير رام 
الدكتور عارف الشيخ يختصر رأيه في المسابقات الشعرية بأنها «وسيلة للربح التجاري»، وهي مسألة لا تقتصر على الشعر فقط، بل تمتد على مسابقات الغناء والتمثيل وغيرهما، حيث تتحول رسائل الموبايل إلى وسيلة تجارية للكسب المادي من خلال جمع اكبر عدد ممكن من اصوات الجمهور، بينما الواقع يشير إلى ان هذا الجهور لا يمت ـ في الغالب ـ إلى الشعر بصلة، كما أن تقويم الشاعر لا يمكن ان يتم بهذه الطريقة، فهو لابد ان يستند إلى معايير فنية ومن خلال اشخاص مختصين، وليس عبر الهاتف او من خلال أشخاص غير معنيين، وبذا يكون الربح المادي هو الهدف الاساسي، اما نشر الشعر او الثقافة فيكون مثل رمية من غير رام، وفائدة غير مقصودة.


ويرى  الشيخ ان برامج الشعر لا تخلو من فائدة، مثل ظهور بعض الاسماء الجديدة من الشعراء، وجذب جمهور لم يكن يتابع الشعر من قبل لمتابعته، ولكن في  الوقت ذاته قد تكون هذه المتابعة ضارة لأنها ترسّخ في ذهن المشاهد افكارا غير حقيقة، حيث يؤدي فوز شخص معين في مسابقة شعرية أو فنية بالمركز الأول الى اعتقاد الجمهور بأن هذا الشخص هو الأقوى او الأفضل في مجاله او حتى بين المتنافسين، ولكن الحقيقة انه كان الأكثر حظا في الحصول على أصوات الجمهور. أو ان يكون هناك نوع من الخداع في بعض المسابقات من جانب القائمين عليها.


ويشيرالشيخ إلى ان كل انسان يحب ان يكون الأول والأشهر، ولكن العاقل لا يضع نفسه إلا في المقام الذي يستحقه. وفي النهاية تبقى المعايير الصحيحة هي الأساس، مستشهدا بالمثل المحلي «عيش واشبع طماشة».

 

طباعة