اعتذاراتي المتأخرة

    
بشكل لا يطاق، سكنني متحمسو محمد طمليه الأوغاد، شتتوا انتباهاتي، عاشوا على طاقتي، كنت قد قرأت هذه المجموعة القصصية «المتحمسون الأوغاد»،
في أواخر الثمانينات في مدينة عواصفي وجسدي، إربد، أعارها لي شخص أعمى، وهو صديق لصديقي، أتذكر بقوة أني لسبب ما نسيت أن أشكر الشخص الأعمى، فسمعته يقول لصديقي وأنا أهبط درج البناية: صديقك هذا لا يستحق الكتاب، تصور أنه بخل علي بكلمة شكر، على كل أتمنى أن يلاقي عقابه على يد متحمسي محمد طمليه الأوغاد، اللهم سلّطهم عليه! ويبدو أن لعنة الأعمى مازالت تفعل فعلها. فمازلت أعيش حتى الآن عبئاً ضخماً لاعتذارات مدين أنا بها لمحمد طمليه ولأبي محمد وسالي ولزياد أيضاً.


في أواخر الثمانينات كنت أدرس في جامعة اليرموك الأردنية، الحالة المادية كانت ممتازة، فالمصروف والرسوم تأتي من الأهل تباعاً وبانتظام، فجأة انقطع كل ذلك، بسبب ظروف الانتفاضة، عشت مع أصحابي الأربعة جوعاً رهيباً، إذ ذاك عرفت رائحة البصل الحريفة مع الخبز، وقتها عرفنا المعنى الحقيقي لكلمة الجوع،مع أن أسرة أردنية طيبة جداً كانت جارة لنا، لم تبخل علينا بالطعام، إلا أننا كنا نخجل، أقنعنا العائلة بأن كل شيء على ما يرام،  فالأموال وصلت أخيراً، ولم نكن ننام وبطوننا تتلوى بالفراغ.


بدأت الحكاية بدخولي سوبرماركت صغيراً أمام بيتنا، كنت أنوي أن أفاتح صاحب المحل بقصة جوعنا، وأن أفتح معه صفحة دين في دفتر ديونه، صادفت هناك صديقاً لي كان يشتري علبة سردين، ربت الصديق على كتفي وقال مازحاً وهو يخرج: كيفك يا طمليه؟، خاطبني بطمليه لأنه يعرف مقدار حبي لقصص ومقالات محمد طمليه خصوصاً عموده اليومي في الدستور «شاهد عيان» خرج صديقي ولاحظت أن الحاج أبو محمد ينظر لي ويبتسم: أنت الكاتب محمد طمليه أليس كذلك؟ أجبته: بلى، معتقداً أنه يمزح معي، لكنه صدق ذلك بقوة، كأنه كان يريدني ان اكون محمد طمليه بقوة، حملني أبو محمد علب سردين كثيرة وخبزاً وجبناً وعصائر، وقال لي: حين تأتي الأموال  تدفع ولا يهمك، عرفت لاحقاً أنه يتابع «شاهد عيان» باستمرار، ويحتفظ بأرشيفها، وهكذا ولمدة  بضعة أشهر حُلت بهذه الطريقة مأساة الجوع، صرت محمد طمليه، حتى زملائي كانوا ينادونني بمحمد، يناقشني أبو محمد في زاويتي كل يوم ويسألني عما أفكر في كتابته غداً، لكني كنت اشعر بضيق شديد قبل النوم، لأني استغل اسم محمد وسذاجة الرجل، قادني هذا الشعور إلى طرق باب أبي محمد ليلاً حافي القدمين لأقول له والدموع تخنق وجهي: أنا لست محمد، أنا زياد ، وأحب محمد طمليه مثلك، فوجئت بأبي محمد يهز رأسه وكأنه يعرف ذلك، منذ أسابيع فقط عرفت ذلك، قال لي، لكن سالي ابنتي الوحيدة -تابع أبو محمد- ابنة الـ15 عاما مازالت تعتقد أنك محمد، محظور عليها أن تعرف أنك لست محمداً، كل يوم تراقبك من النافذة وأنت تخرج وتدخل إلى البيت، سالي تحتفظ بكل ما كتب محمد من قصص ومقالات، وصوره تملأ جدران غرفتها، في الصباح قبل الفطور تقرأ عموده، فأشعر أن سرطان الدم المصابة به يتراجع أمام ابتسامتها وتنفسها العميق، لكن السرطان  توحش  في جسمها منذ يومين، كنت أشعر أن حرباً طاحنة تدور داخلها بين مقالات محمد وبينه، لم أكن أتصور أن الكلمات يمكن أن يكون تأثيرها بهذه القوة، كان يجب أن تموت سالي قبل سنة والطبيب يستغرب مقاومتها المفاجئة، شكراً لأنك ساعدتني على تأخير موت سالي، سالي ستموت قريباً. شكراً لك يا محمد، عفواً أقصد يا زياد!      zkhadash@yahoo.com