تقلّبات السياسة تفتك بالشعوب المستضعفة - الإمارات اليوم

تقلّبات السياسة تفتك بالشعوب المستضعفة

 

روبت فيسك *  اُفتتح الأسبوع الماضي في قرية دالكي الايرلندية مطعم ايطالي يحمل اسم «بينيتو». وعُلّقت على جدران المطعم اوراق جريدة ترجع الى الحرب العالمية الثانية وتظهر سقوط عدد من الطائرات الإنجليزية في مالطا عندما غارت على الطليان، اضافة الى صفحة اخرى تحمل خبر استسلام 19 الف جندي بريطاني في حصار طبرق، للقوات الإيطالية.


وفي واقع الأمر هذه ليست نكتة؛ إذ إن احد اقرباء صاحب المطعم كان ضابطاً في سلاح الجو الإيطالي. وكانت الجيوش الإيطالية لأول قائد فاشي في اوروبا قد ضاعت في البانيا، وفي اليونان، وفي شمال افريقيا. وانهى الحرب وهو مختبئ في ميلان مع صديقته بعد ان شكّل الخندق الأخير وهو جمهورية سالو، وهي لا تقل سخافة عن الديكتاتور ذاته. ولكن في عام 1935 احتل موسيليني الحبشة بعد ان استخدم الغاز السام، وارسل قواته لتقاتل الى جانب الجنرال فرانكو اثناء الحرب الأهلية في اسبانيا.


وقال عنه وينستون تشرشل رئيس حكومة بريطانيا السابق انه شخص جدير بالاحتقار بعد ان اعلن موسيليني عن نفسه بأنه حامي الإسلام، مع ان المسلمين الذين كان يدعي حمايتهم اقل من المسلمين الذين كانوا بحماية بريطانيا.


وكان موسيليني قد طرد اكثر من 80 الف ليبي من منازلهم  لتوسيع المجال امام انشاء المستوطنات للطليان، واعدم  قائد الثورة الليبية البطل عمر المختار الذي خاض حرباً قتل فيها اكثر من 200 الف مسلم، وباختصار، فإن موسوليني كان شخصاً منحطاً، ولكن عندما تمكن من انهاء ازمة الإضرابات في ايطاليا  في عشرينات القرن الماضي اعترف تشرشل نفسه بأنه «مفتون بلطفه وبساطته وهدوئه.


وكتب تشرشل قبل الحرب ببضعة اعوام يقول «الكثير من البريطانيين يبدون اعجابهم بأعمال موسيليني التي قام بها لبلده، فقد نقل بلاده من الفوضى الى النظام والكرامة» اي ان موسيليني بدا كبطل اوروبي، ومن ثم اصبح فاشياً، ولكنه يعتبر الآن مجرد مهرج مثير للضحك. ولكن هذا الوضع لا يقتصر على موسيليني، ففي عام 1986 دعا الرئيس الأميركي السابق رونالد ريغان الرئيس الليبي معمر القذافي «الكلب المسعور في الشرق الأوسط».


ولكن بعد عقدين من الزمن على القصف الأميركي لليبيا (بمساعدة مارغريت تاتشر) قال  وزير الخارجية البريطاني جاك سترو عن القذافي إنه «رجل دولة» لأنه تخلى عن الأسلحة النووية التي لم تكن موجودة اصلاً.


وكان ياسر عرفات «الإرهابي  الكبير» في ثمانينات القرن الماضي، قبل ان يتحول الى «رجل دولة كبير» بعد اتفاق اوسلو، ومن ثم اصبح «ارهابياً كبيراً» قبيل موته.

ويبدو ان هذا يحدث في كل الأوقات، فقد بدأ كورت فالدهايم كضابط مخابرات لدى مجرم الحرب الجنرال لوهر في البوسنة، وبعد ذلك تحوّل الى امين عام للأمم المتحدة، ويحظى باحترام كبير، قبل ان يتم اكتشاف ماضيه النازي وتعرضه للانتقاد الشديد.

وظل سلوبودان ميلوسوفيتش سفاحاً حتى تفاوض مع الولايات المتحدة، ووقع اتفاق دايتون، حيث اصبح رجل دولة.

ومن الواضح ان هذا التحوّل يحدث لجميع اعراق الناس، فالصرب الشجعان على قلة عددهم في الحرب العالمية الثانية اصبحوا المطهرين العرقيين عام 1993، وحتى المسلمين الأبطال المدافعين عن الحرية الذين قاتلوا الاتحاد السوفييتي في افغانستان خلال ثمانينات القرن الماضي اصبحوا ارهابيين في افغانستان في الفترة ما بين 2001 و.2007
طباعة