إدارة بوش تمعن في استغلال السلطة


بيتر ايرلندر * المعاملة التي يتعرض لها الأكاديمي الفلسطيني الناشط الدكتور سامي العريان في السجون الأميركية اقل ما توصف به انها اساءة بالغة لاستغلال السلطة، حيث انها ترقى لدرجة التعذيب، والذي يأخذ مجراه في الولايات المتحدة نفسها تحت ادارة الرئيس الأميركي جورج بوش وحربه على ما يسميه بالإرهاب.

لاسيما ان حياة العريان، المحتجز في احدى المستشفيات الفيدرالية، معرّضة للخطر بعد ان دخل في اضراب عن الطعام على الرغم من انه يعاني من الفشل الكلوي.

عاصفة الانتقادات التي صاحبت معارضة بوش حظر وكالة المخابرات الأميركية (سي اي ايه) استخدام الوسائل التعذيبية في الاستجواب تدل على ان وسيلة التعذيب لاتزال تسود السجون السرية الأميركية في المناطق النائية من العالم، ولا تحدث هنا في الولايات المتحدة، الا ان اقدام هذه الإدارة على اساءة السلطة في معاملتها للعريان والفلسطينيين الآخرين المتهمين بالإرهاب تبرهن على ان «التعذيب» تحت هذه الإدارة ينتشر في كل مكان من العالم حتى في الولايات المتحدة نفسها.


حنث بالوعد.. وتعذيب في ديسمبر عام 2005 برأت هيئة محلفين في منطقة تامبا د. العريان من تهم الإرهاب المنسوبة اليه، وبعد مرور اكثر من عامين على ذلك لايزال في السجن، وهو الآن مستمر  في الإضراب عن الطعام لأن ادارة بوش حنثت بوعدها الذي قطعته في مايو 2005 بالإفراج عنه وترحيله عن البلاد، وما لم يحصل على العلاج الطبي المناسب خلال ايام فإنه سيتعرض للموت بسبب الفشل الكلوي، وكل ذلك يحدث تحت مرأى وسمع وزارة «عدل» ادارة بوش.


وفيما يبدو ان الإدارة تستطيع خلق «ثغرات قانونية سوداء» اذا ما ارادت ذلك دون الحاجة لإنشاء سجون خاصة خارج اميركا، وذلك عن طريق استغلال القانون المحلي، ويبدو ان ادارة بوش من افضل المستغلين لهذا القانون من الناحية القانونية والنواحي الأخرى. في مؤتمر صحافي بالعاصمة الروسية موسكو في فبراير 2003

اعلن وزير العدل الأميركي السابق جون اشكروفت ان مكتب التحقيقات الفيدرالي (اف بي اي) استطاع ان يلقي القبض في تامبا بفلوريدا على «الشخص الرئيس في اميركا الشمالية الذي يموّل العمليات الإرهابية في الشرق الأوسط»، واشار اشكروفت بفخر واعتزاز في المؤتمر الصحافي لصورة د.العريان وهو يرسف في قيوده، وفي خلفية الصورة يظهر ابناؤه الجزعين.


وتشبه هذه الصورة في كثير من الجوانب صور القوات الأميركية في العراق، وفي خلفيتها النساء العراقيات الخائفات، لكن تلك الصورة ليست في العراق او افغانستان، ولم يحدث ان واجه العريان اي اتهام بشأن اعمال عنف، حيث انه يعتبر اكاديمياً محترماً وناشطاً فلسطينياً، واستنتج المحلفون قبل عامين ان تلك هي «جرائمه» الوحيدة.


ولأكثر من عام قبل محاكمته خضع العريان لاعتقال انفرادي، ومنعت السلطات اسرته من زيارته، ويتم تقييده كلما اراد الخروج عن زنزانته للحديث مع محاميه.


ورأت ادارة بوش وضع العريان في هذا المعتقل حتى قبل ان توجه له السلطات التهم بشكل نهائي، ودون اتهامه بأي جريمة تتضمن عنفاً.

وليس هناك تفسير لذلك سوى اخضاعه للتعذيب. وإضافة للظروف الشبيهة بمعتقل غوانتانامو حرمت السلطات العريان من الملابس الدافئة، وادوات الكتابة، وخضع لاستفزازات الحراس الذين اقنعتهم ادارة بوش بأنه الشخص التالي لزعيم القاعدة اسامة بن لادن، وساء الأمر للحد الذي دعا المفتش العام لوزارة العدل التحقيق في الإساءات التي اقترفها الحراس في حقه.


واعترض احد مسؤولي الأمم المتحدة رسمياً على ظروف اعتقاله قبل المحاكمة. في بداية المحاكمة في يوليو عام 2005 انحسرت التهم الـ200 الموجهة ضده وضد ثلاثة من معاونيه، لدرجة انه لم يعد من بينها الاتهام الذي وجهه له اشكروفت، الا ان الاتهامات الـ93 المتبقية والمتعلقة بـ«الإرهاب» كفيلة بأن ترسله لحبل المشنقة او السجن المؤبد، لكن لم يتم تجريمه او اي من معاونيه.


بعد الاستماع ستة اشهر للبيانات والقرائن التي تتضمن 80 شاهداً، ومئات الساعات من المحادثات التليفونية المسجلة والمختارة من بين 425 الف محادثة خلال 10 سنوات، وشهادة عملاء الاستخبارات الإسرائيلية، وشهادة ضحايا عمليات تفجيرية اسرائيليين، وتبديد اكثر من 50 مليون دولار من اموال دافعي الضرائب لم تجد هيئة  المحلفين ما يدين العريان او أياً من معاونيه.

هزيمة لإدارة بوش في ديسمبر 2005 وصفت مجلة «تايم» تبرئة العريان بأنها «اكبر هزيمة لإدارة بوش حتى الآن»، وتعتبر ايضاً نصراً مؤزرا للدستور الأميركي.
 
 

الا ان الإدارة سرعان ما قررت اعادة محاكمة العريان. وعلى الرغم من ان اعادة المحاكمة قانونية الا انها تعتبر غير عادية في الحالة التي ترفض فيها هيئة المحلفين جميع القرائن والأدلة ضد المتهم.


وفي الوقت الذي اعلنت فيه الإدارة مرارا وتكراراً بأنها ستعيد محاكمة العريان اتصلت سراً بمحاميه مقدمة «عرضاً لا يمكن للمتهم رفضه» وذلك في مقتبل عام 2006 حتى تتجنب الإدارة الحرج الذي ستواجهه في حالة تبرئة المتهم مرة اخرى.
 
عرض لا يمكن رفضه لجأت ادارة بوش بعد ذلك لتكتيك ذكي حيث وعدت المتهم بإسقاط جميع التهم عنه، واطلاق سراحه خلال 30 يوماً،  والمساعدة على ترحيله لدولة من اختياره حال اطلاق سراحه، وهذا مقارنة بعقوبة الإعدام او السجن المؤبد الذي كان من المفترض ان يواجهه قبل اسابيع قليلة.

ومن الصعب رفض مثل هذا العرض، الا ان العريان ومحاميه رفضا هذا العرض لأن الإدارة اشترطت لتنفيذ هذا العرض ان يقر العريان بجريمة لم يرتكبها، وثانياً ان يتعاون مع هيئة المحلفين العليا، فإذا اقر العريان فقط بأنه ساعد حماه ببعض شؤون الهجرة، وانه لم يخبر احد الصحافيين عن انتماء احد زملائه، وكلا الأمرين صحيح ولا يتضمن اي جريمة، فإن ادارة بوش حينئذ ستسمي هذه التصرفات القانونية التي لا تتضمن عنفاً- ستسميها «تآمراً» ولم تجد ادارة بوش بداً من التوصية بإطلاق سراحه بنهاية مايو .2006
 
 
ولم يوافق العريان ومحاميه على اي من الشرطين، ورفض التعاون مع محكمة عدل ادارة بوش التي حاكمته لأسباب سياسية.

ولهذا السبب فكرت الإدارة مرة اخرى لأنها تريد ان تتفادى هزيمة محرجة اخرى. وهذه المرة ازاحت شرط «التعاون مع هيئة المحلفين الكبرى». خداع ولكن عندما ظهر العريان في المحكمة في الأول من مايو 2006، وكان يتوقع ان تكون الاتفاقية نهائية، وان يتم اطلاقه قبل انقضاء الشهر تغيرت اللعبة مرة اخرى.

وبدلاً من اطلاق سراحه باعتبار المدة التي قضاها في السجن وترحيله، حكم عليه القاضي بالعقوبة الدستورية القصوى بقضاء عام آخر في السجن، وقرأ بياناً تم اعداده سلفاً اعلن فيه انه مذنب «بقتل النساء والأطفال في اسرائيل».

 ومن حيث الجوهر ادان القاضي العريان بالتهم نفسها التي رفضتها هيئة المحلفين من قبل.

وتذمر العديد من اعضاء هيئة المحلفين علناً بأن القاضي تجاهل الحكم الذي اصدروه. وبدلاً من ان يبدأ حياة جديدة في مايو 2006 كما اوهمته ادارة بوش بذلك، ظل العريان في السجن حتى ابريل .2007

عوداً للعاشر من مايو 2006 اصبح الشرك اكثر احكاماً عندما سعى مساعد وزير العدل غوردون كرومبيرج في الكساندريا الى استصدار امر سري لدعوة العريان للمثول امامهيئة المحلفين الكبرى نفسها التي قال المدعي العام في تامبا بشأنها انها  مغطاة  باتفاقية «لا تقتضي التعاون مع هيئة محلفين كبرى» ،

 ولم يدر العريان او محاميه عن هذا الأمر السري حتى اكتوبر 2006 عندما اخبرهم كرومبيرج بأن العريان سيمثل امام هيئة المحلفين الكبرى في رمضان من العام نفسه.

وعندما مثل العريان امام الهيئة معتمداً على تلك الاتفاقية «التي لا تقضي التعاون مع هيئة المحلفين الكبرى»، حكم عليه القاضي لي بالحبس لازدراء المحكمة حتى ديسمبر 2007، وتم تمديد الحبس الأصلي الصادر بشأنه في مايو 2006 حتى السابع من ابريل 2008

اي بعد عامين من الوعد الذي قطعته ادارة بوش بإطلاق سراح العريان وترحيله.

في الثالث من مارس الجاري احكم كرومبيرج صمام التعذيب اكثر  عندما تم استدعاء العريان مرة اخرى امام المحكمة لتخبره بأنه سيتم استدعاؤه مجدداً للمثول امام هيئة محلفين كبرى في 19 من مارس الجاري هذه المرة قبل ثلاثة اسابيع فقط من تاريخ اطلاق سراحه وترحيله.
 
فإذا ما اصر على ان تحترم ادارة بوش وعدها له «بإعفائه من التعاون مع هيئة المحلفين الكبرى» فانه قد يتعرض للحبس لازدراء المحكمة مرة اخرى، التي ستشطب تاريخ اطلاق سراحه في ابريل وتمدد حبسه مجدداً لأجل غير مسمى.

العائلة تعيش في ذعر    
تنتاب الطالبة الجامعية لينا ابنة سامي العريان حالة من الذهول والخوف منذ اعتقال والدها، وابتعدت لينا عن صفوف الدراسة لمدة شهر حتى تلقت اتصالاً هاتفياً من اساتذتها يطلبون منها العودة ويعلنون التضامن معها.

وتدرس لينا ابنة الـ18 ربيعاً، العلوم السياسية في جامعة جنوب فلوريدا وهي الجامعة نفسها التي عمل فيها والدها البروفيسور في هندسة الكومبيوتر. وتؤكد لينا ان والدها كان ضحية لأجواء ما بعد 11 سبتمبر 2001 وبسبب تأييده للحقوق الفلسطينية.

وأضافت لينا، في حديث مع صحيفة «الشرق الأوسط»، ان الطلبة اليهود والجماعات المحسوبة على اللوبي الصهيوني علقوا صور والدها المحتجز حالياً في سجن كولمان شديد الحراسة بفلوريدا على جدران الجامعة عقب اعتقاله، بينما وجدت هي الكثير من التعاطف، والتأييد من كثير من الطلبة والأساتذة داخل حرم الجامعة.

وتقول لينا «لقد فتش ضباط المباحث الأميركية في كل شيء بالمنزل، حتى ألبوم الصور الخاصة بها وكتبها الدراسية، التي لم تسلم من المصادرة.


وتضيف: «رغم وجود والدي في الحبس الانفرادي بالسجن الأميركي، الا ان والدي لم ينس عيد ميلادي، اذ كتب كلمات قليلة ترفع من معنوياتي، منها: عيد سعيد ببلوغك الـ18عاماً، كوني مع الله، وكوني على ثقة بأنه لن يخذلنا».


وأكدت لينا انها مشغولة معظم الوقت بحملة اعلامية عبر الإنترنت تنادي بالإفراج عن والدها، وتتضمن الحملة التي تشارك فيها منظمات حقوقية اميركية ارسال خطابات الى نواب الكونغرس، والقاضي الفيدرالي توماس ماكون، ودونالد ماكليفي مأمور سجن كولمان الذي يحتجز فيه والدها، وعدد من اعضاء مجلس الشيوخ الأميركي، وكذلك منظمة العفو الدولية.


 من جهتها، تقول السيدة نهلة زوجة الأكاديمي الفلسطيني العريان، في حديث مع قناة الجزيرة القطرية: «انها تهمس في منزلها ولا تستطيع ان تتحدث بصوت عالٍ مع بناتها لينا الطالبة الجامعية وليلى خريجة الصحافة بجامعة جورج تاون، 22 عاما، وليما ابنة الـ10 سنوات».


 وتضيف «ان بناتها يفضلن النوم معها في غرفتها على الأرض، خوفاً من تكرار مشهد الرعب الذي نتج عند مداهمة منزلها فجر 20 من فبراير الماضي من قبل ضباط المباحث الأميركية». وأكدت انها تعيش حالة من الرعب النفسي منذ اعتقال زوجها وانها متخوفة من وجود اجهزة تنصت في منزلها، وبالتالي فإنها تهمس عندما تتحدث الى بناتها.
 
 وتقول «انها تتخوف من محاسبة المباحث الأميركية يوماً ما لها على افكار لم تنطق بها». وتشير الى انها تشعر ان هناك اناساً يراقبونها من على البعد في رحلتها الى السوق او المتاجر الكبرى، مشيرة الى ان الكثير من قناعاتها قد تغير بالنسبة الى اميركا بلد الحريات وحقوق الإنسان.
 

وأضافت ان زوجها مضرب عن الطعام، وخسر كيلوغرامات عدة  من وزنه، كما يمتنع عن اخذ الدواء اللازم لمرض السكري الذي يعاني * أستاذ بكلية وليام ميتشل للقانون محامي استئناف سامي العريان