إيميليو بوتشي.. ماركيز الموضــة الإيطالية

وصفه البعض بـ «ملك الملابس العملية» واعتبره آخرون بقوة ديناميكية مغيرة لاتجاهات عالم الموضة في خمسينات وستينات القرن الماضي، بينما كان هناك اجماع على أن ابتكارات المصمم الإيطالي إيميليو بوتشي، تميزت دائماً بالمرح والغرابة في ألوانها وخاماتها، محولة إياه إلى مصمم ثوري غير وجه الموضة، مدخلا لمسة العملية والراحة والأناقة للأزياء، وهو ما لم يكن متوقعاً من أرستقراطياعتبر أول شخص يعمل براتب في عائلته منذ 1000 عام.

ولد مركيس إيميليو بوتشي دي بارسينتو عام 1914 في مدينة نابولي الإيطالية، ابناً وماركيزاً في عائلة أرستقراطية ثرية لم تخرج من حلقة العمل السياسي والدبلوماسي، مترعرعاً في أجواء مترفة وطفولة شغفت بالرياضة، قضى دراسته الأكاديمية في عالم السياسة وعلم الاجتماع التي لم يتوقف عنها إلا بعد حصوله على الدكتوراة في العلوم السياسية، إلا أن ذلك لم يمنعه من ممارسته شغفه برياضة التزلج، وابتكاراته الخاصة في التصميم للملابس الرياضية التي كانت هواية شخصية لا أكثر، اكتشفت لاحقاً على المنحدرات الثلجية.
 
قضى بوتشي عامين في الدراسة الأكاديمية في جامعة ميلان في إيطاليا، لينتقل للدراسة لمدة عامين آخرين في جامعة جورجيا الأميركية، بينما حولته حماسته الرياضية إلى عضو في الفريق الأولمبي الإيطالي في رياضة التزلج عام 1934، ليحصل بعد ذلك على منحة دراسية في جامعة ريد في ولاية أوريغون الأميركية عام 1937، وحصل على شهادة الماجستير في علم الاجتماع عام 1939، وعلى شهادة الدكتوراة في العلوم السياسية عام 1941 من جامعة فلورنسا الإيطالية، وخلال تلك الفترة لم يتوقف بوتشي عن التصميم له ولفريقه ملابسهم الرياضية الموحدة.

على المنحدرات الثلجية
قد تكون الحياة اختلفت مع إيميليو بوتشي لو لم تندلع الحرب العالمية الثانية التي أوقفته عن ممارسة هوايته الرياضية، والانضمام للقوات الجوية الإيطالية رامياً للقنابل خلال فترة الحرب، إلا أنه اضطر إلى العودة إلى عائلته بعد مشكلات صحية منعته من الطيران، وعلى الرغم من توقف أحلامه الرياضية في التزلج إلا أن القدر كان ينتظره على إحدى المنحدرات الثلجية لمدينة ساينت مورتيز في عام 1947، حيث انتبه إليه مصور الأزياء لمجلة «هاربرز بازار» الشهيرة توني فريسيل ملتقطا له عددا من الصور، لتكتشف رئيسة تحرير قسم الأزياء في المجلة ديانا فريلاند.
 
أنه من يقوم بتصميم ملابسه الرياضية بنفسه، فلم يكن منها سوى أن تطلب منه القيام بتصميم مجموعة صغيرة من الملابس الرياضية الشتوية النسائية لجلسة تصوير خاصة بأزياء الشتاء، التي نشرت في نسخة «هاربرز بازار» الشتوية لعام 1948، وهي المجموعة ذاتها التي تم بيعها في أحد المتاجر الأميركية الشهيرة، لتبدأ منذ هذه اللحظة حياة مختلفة لماركيز العائلة الأرستقراطية الإيطالية الثرية. كانت التجربة التي عاشها بوتشي في تلك الفترة كفيلة لتكون إجابة واضحة له لما يفترض لحياته أن تصبح، فلم يكن منه سوى افتتاح متجره الأول عام 1949، في مدينة كابري الشهيرة آنذاك بعصريتها واعتبارها عاصمة الموضة في إيطاليا آنذاك، «مدينة ميلان حالياً»، مطلقاً نسخته الخاصة من السراويل التي أسماها «سراويل كابري».

إضافة لابتكاره عدداً من القمصان والمناديل دقيقة الرسومات والطبعات عالية الجودة، وكان عليه إخفاء عائلته من خطوته  المهنية سواء إيجابية كانت أو سلبية بالنسبة لهم، مطلقا بذلك اسمه الأول «إيميليو»على المتجر.

في عام 1950 أطلق بوتشي مجموعته الأولى من الملابس النسائية، التي عرضت في كل من مدينة فلورنسا الإيطالية، إضافة إلى فرنسا، ليبدأ إيميليو بعد ذلك انتشارا كبيرا وسريعا لابتكاراته التي ركزت على العملية وقدرة التعامل مع الأناقة براحة، الأمر الذي زادت الحاجة إليه بعد فترة الحرب العالمية الثانية، فبينما كان الآخرون يبتكرون سترات ضيقة وخانقة ترسم الجسد، كان هو يستخدم خامات خفيفة الوزن مرحة الألوان والطبعات، أعجبت بها الجماهير.
 
ألوان جريئة
نال إيميليو بوتشي خلال خمسينات القرن الماضي، سمعة وانتشارا واسعين لتصاميمه ذات الطبعات المميزة واستخدامه للألوان الجريئة المتباينة مع بعضها البعض، والملابس الرياضية، إضافة إلى الملابس النهارية، مستخدما خامات خفيفة الوزن مثل «الجرسيه الحريري» وهي الخامة التي اشتهر باستخدامه لها متميزة بخفة الوزن، وعدم التجعد، والراحة الشديدة، لتصف المسؤولة عن الأزياء في مجلة «هاربرز بازار» ملابسه، بأنها «كما لو كنت لا تلبسين شيئا على الإطلاق».
 
كانت جرأة الألوان في ابتكارات بوشي، عنصراً أساسياً لفت الانتباه له، وميزه عن غيره في تلك الفترة، كما اشتهرت فساتينه الحريرية المطبعة بشدة حين اكتشفت الجماهير مدى خفتها وعدم تجعدها، ماجعلها الأفضل والأجمل للتخزين للسفر، لتنطلق إمبراطوريته الخاصة منذ ذلك العقد من الزمان، مطلقا خطوطا مختلفة، من ملابس رياضية، وملابس داخلية، وحقائب، ومحافظ، وملابس نوم، إضافة إلى تصميمه مجموعة من ملابس مضيفات الطيران، إضافة إلى ابتكاره لخوذة بلاستيكية لقيادة دراجة خاصة بالنساء تحافظ على تسريحات شعرهن.
 
تزوج بوتشي عام 1959 من كريستينا نانيني، لينجبا ابنهما أليساندرو في العام ذاته، بينما أنجبا ابنتهما لودوميا عام 1961، ليطلق بعد ذلك بعام مجموعته الأولى لملابس السهرة النسائية، التي أعلن أنها كانت تكريما وتقديرا للسيدة الأميركية الأولى آنذاك جاكلين كينيدي، ليبدأ إيميليو في ستينيات القرن الماضي عقدا جديدا من التصاميم الثورية بألوانها وإثارتها، من سراويل ضيقة، إضافة إلى سراويل كابري الشهيرة، والسراويل القصيرة، والفساتين المريحة، والبلوزات والقمصان الحريرية، إضافة إلى السترات والبدلات العملية النهارية، كما صمم مجموعات من الملابس الداخلية وملابس السباحة التي أنتجتها مصانع أميركية، حيث اشتهرت تصاميمه بأنها مهدت الطريق لثورة الألوان الصاخبة في تصاميم الستينات .
 
على الرغم من مرور العقود استمر إيميليو بوتشي بابتكار جديده الذي لم يخرج عن توقيعه المميز، إلا أن الدار واجهت شهرة واسعة ومفاجئة بين عامي 1989 و1990 التي انتشرت خلالها تصاميم بوتشي المطبعة الشهيرة، حيث قامت مادونا، وبالوما بيكاسو، وشهيرات أخريات بالوقوف أمام كاميرات التصوير مرتديات عددا من تصاميمه.
 
في عام 1990 اعتزل بوتشي العمل اليومي على التصاميم، لتتسلم ابنته جائزة الجمعية الأميركية لتصميم الأزياء عام 1991 في نيويورك نيابة عنه، بينما قام متحف الملابس في بالازو بيتي في مدينة فلورنسا الإيطالية بعرض عدد من أشهر تصاميمه، وبعد عام واحد توفي بوتشي وهو في الـ 78 من عمره، بينما قام ابنه أليساندرو بإدارة عمل وأملاك العائلة، وتوفي عام 2000 في حادث مروري قرب مدينة فلورنسا وهو في الـ 38، لتقوم اخته لودوميا بإدارة العمل لفترة من الزمن مترئسة الفريق الإبداعي للتصميم.
 
تغييرات وتحديات
واجهت الدار تحديات عدة منها وفاة الأب المؤسس والأخ الوحيد للابنة الوريثة لودوميا بوتشي، كما واجهت الدار أيضا عددا من التغييرات، بعد أن ترأست لودوميا الفريق الإبداعي للتصميم.
 
ليتبعها في منصبها عدد آخر من المصممين، إلى أن قام المصمم الفرنسي كريستيان لاكروا بالتصميم للدار، الذي قام بتطوير وإعادة الروح للعلامة عبر استخدام طبعات بوتشي التقليدية القديمة، مازجا إياها بأفكار جديدة، لتبدأ أسماء شهيرة مثل إيزابيلا روسيلليني وجينيفر لوبيز بارتداء ابتكارات الدار، لتتحول الدار من فكرة بسيطة للحاجة إلى تصميم ملابس عملية لفريق التزلج قبل عقود مضت إلى إمبراطورية إيميليو بوتشي للمرأة العصرية سبقت عصرها بعقود. استمر لاكـروا في تقديم ابتكاراتـه لدار إيميليو بوتشي، إلا أن مديرة الدار لودوميا بوتشي أعلنت بعد تقديمه عرض أزياء مجموعة ربيع وصيف 2006 التي ابتكرها لاكروا، أنه لن يكمل تعاونه مع الدار، مؤكدة الصداقة المستمرة بينه وبين الدار، ومعلنة أن المصمم البريطاني ماثيو ويليامز سيحل محل لاكروا.  

بوتشي على القمر

على الرغم من أن ابتكارات إيميليو بوتشي كانت دائمة عصرية وثورية، إلا أنه استطاع تعزيز مدى عصريته وثوريته عبر إيصاله ابتكاراته إلى أماكن غريبة يصعب التفكير بها، حيث قام طاقم أبولو 15 المنطلق إلى القمر، بحمل علم صمم على يد بوتشي ليزرع على سطح القمر، بينما قام بتصميم العلامة التجارية لسيارة «لنكولن» الأميركية الخاصة بشركة فورد للسيارات عام 1977، إضافة إلى عدد من الأزياء الموحدة لمضيفي الطيران على مدى سنوات طويلة.
 
 
سياسة وأزياء
اختير إيميليو بوتشي في الانتخابات البرلمانية الإيطالية أواخر عقد الستينات، وتحول بذلك إلى سياسي فاشي محبوب وعالي المكانة بين أقرانه، وعرفت عنه الكثير من التصريحات والمقولات والآراء السياسية الشهيرة التي لا تزال تذكر باسمه، رغم كل ذلك، استمر بوتشي بالعمل رئيسا للمصممين في دار أزيائه حتى وفاته عام 1992.