«صناعة الجوع»

 

 لم أجد بُداً  من أن أستعير هذا العنوان من عنوان كتاب البريطانيَّين «فرنسيس مورلابنيه» و«جوزيف كولينز» المنشور عام 1983، طالما أن المشهد «التغذوي» العالمي حالياً يحتم علينا أن ننهج على خطى «نظرية المؤامرة» لفهم العلاقات التي تربط الأشياء.
 
هذا المشهد «التغذوي» يبدو لي على الصيغة التالية: أعمال عنف تتكرر في مشهد يومي عند طوابير الخبز في أحياء القاهرة، الأرز في جنوب شرق القارة الآسيوية يكاد يشكل أزمة وبات يدخل في خضم المعارك السياسية في بلدان تلك المنطقة، السلع الغذائية الأساسية في أصغر محل بقالة أو أكبر «هايبر ماركت» في العالم تتغير أسعارها بشكل دوري وعلى مدار الدقيقة.
 
وبالتالي فإن فواتير الغذاء مرجحة لأن تقضم ما بين 30 و50% من دخل الأسر في المدن الكبيرة، وما بين 80 و100% من دخل الأسرة في المناطق الجافة والأكثر فقراً، فأسعار السلع الغذائية ارتفعت بنسبة 40% خلال العام الماضي فقط. كما نستطيع أن نميز في ذات «المشهد» أنه حتى في «دول الوفرة»، فإن ارتفاع أسعار الغذاء بات يشكل هاجساً لدى قطاعات عريضة من السكان.

بعض الدول سارع إلى تكثيف سبل الدعم الحكومي للسلع الأساسية، والبعض الآخر اكتفى بتوجيه النصح والإرشاد لتغيير «العادات» الغذائية التي كانت السبب في طفرة الأسعار. بطبيعة الحال فإن أسباب هذه الطفرة باتت معروفة للجميع، فارتفاع أسعار الوقود ألقى بظلاله على تكاليف زراعة ونقل المحاصيل الغذائية، أضف إلى ذلك أن ارتفاع أسعار الوقود شجَّع العديد من المزارعين على بيع محاصيلهم، وبالأخص الذرة وفول الصويا، إلى مصانع إنتاج الوقود العضوي، التي أصبحت تنتشر في أرجاء المعمورة. لكن بعيداً عن مدخلات ومخرجات الأزمة.. وببساطة شديدة، كيف يتسنى لنا أن نطعم أرتال الجياع؟ الجواب يأتينا من منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة: عليكم بالبطاطا! أجل.. فهذه الدَّرَنة، أو «الكنز المدفون» على حدّ وصف المنظمة، هي مصدر للغذاء والعمالة والدخل، والأمم المتحدة أعلنت العام 2008 عاماً دولياً للبطاطا. مرحى.. لعشاق «الوجبات السريعة».
 
إذن البطاطا أو البطاطس، أو سمها ما شئت، هي الملاذ الآمن للبطون الجائعة والأفواه المفتوحة. وهذا الكلام على ذمة «الفاو» التي تستهدف من مبادرة أطلقتها أخيراً لنشر وعي عالمي شامل لما للبطاطـا من مساهـمة رئيسة في الزراعة والاقتصاد والأمن الغذائي.
 
وفي الوقت ذاته، العمـل على تدعيم النظم التي يستند إليها إنتاج البطاطس المحسّنة، لمساعدة البلـدان على بلوغ الأهداف الإنمائية للألفيّة. البطاطا رابع محصول غذائي من حيث الأهمية في العالم، عقب الأرز والقمح والذرة، بإنتاجها السنوي الذي يفوق 300 مليون طن، وهي تزرع في أكثر من 100 بلد، من جبال الأنديز غرباً إلى هضاب يونان الصينية شرقاً. وهي بأصنافها الـ 7500 وبالإضافة إلى قيمتها الغذائية العالية فإنها تدخل في صناعات عدة منها الأصماغ والأصباغ والورق.
 
وتضيف «الفاو» في معرض الترويج للبطاطا أنه يتعين أن تكون هذه الدرنة مكونا رئيساً في الاستراتيجيات الرامية لتقديم طعام ّ للفقراء والجوعى. خصوصاً أن 80% من سكان العالم يرون أن طعمها مستساغ.. وأنا منهم. 

safaa1971@yahoo.com