«في بلاد الرجال».. ليبيا في عيون نصف طفولية


تتحرك رواية الليبي هشام مطر «في بلاد الرجال» في مساحات لها أن تطمح إلى سرد مشاهدات طفولية شاءت الأقدار أن تكون عند منعطف تاريخي، دون أن تكون تلك المشاهدات وفية للطفولة تماماً، بمعنى أن ما يروى يتعرض لخيانات عدة على صعيد الاستدراك تارة والتوضيح تارة أخرى ليكون ما يراه الراوي الطفل شيئاً يستدعي تدخل الراوي الناضج، دون أن يمنحنا كقراء إلا مرات قليلة فرصة الاستسلام لرؤية الطفل الذي يعيش في ليبيا، والتي بدورها على أعتاب تغيرات جذرية كون ثورة الفاتح الخضراء في طريقها لترسيخ سطوتها وحكمها المطلق دون منازع.


الطفل الراوي عمره تسع سنوات يبقى ملتصقاً طيلة الوقت بأمه الوحيدة، الجاهزة لأن تنهار في أي لحظة، والمدمنة على الكحول، كما يوحي وصفه لرائحة أنفاسها التي يعزوها إلى «الدواء الذي تشتريه من عند الفران»، ووالده يغيب ويظهر، مع ترجيح غيابه.


رويداً رويداً تتكشف كل العوالم المحيطة بهذا الطفل، حياة أمه التي أجبرت على الزواج من والده بمجرد أن شاهدها أخوها - المفترض أنه منفتح ومتحرر- تجالس شاباً غريباً، وبالتالي كان على عائلتها أن تجد لها زوجاً بأسرع وقت ممكن، والكثير مما يصل بنا في النهاية إلى أن ليبيا «في بلاد الرجال» بمعنى أنها حكر على الرجال فقط.


نتعرف أيضاً إلى علاقة الطفل برفاقه بالحي، وانعكاس ما يحدث في بلده على علاقته بهم، على ألعابهم، ليترافق ذلك بسرد ما يطمح إليه والد ذلك الطفل، الذي تكون علاقتهما على شيء من الحذر، فطموح الوالد  مع مجموعة من رفاقه يكمن في التغيير، بقول «لا» رغم أن كلمة «نعم» هي  الكلمة الوحيدة المسموح قولها  في ليبيا كما يوحي كل ما في الرواية، وعليه نشاهد الاستاذ رشيد يعتقل، ويشاهد الطفل اعترافه بأنه «كلب ضال» ومن ثم إعدامه في بث حي ومباشر على التلفاز، وكذلك يعتقل والده، بعد تصوير الحصار الذي يضرب على البيت بحثاً عن الأب الهارب، وبكلمات أخرى، أيام الترويع المخابراتي لعائلته وأصدقائه، إلا أن الأقدار تشاء أن تدفع الأم للجوء إلى جعفر الجار المتنفذ بعد اعتقال الأب، وبالتالي إخراجه من المعتقل وهو على حافة الموت من شدة التعذيب.


كل ذلك يروى من خلال عيون الطفل، الذي تمنعه أمه من مشاهدة والده بعد أن ينجو من مصير الإعدام، وغير ذلك من انعكاسات تلك الأحداث الكبيرة على أحلامه الصغيرة، وعلاقاته مع من حوله، لا بل انغماسه البريء في أن يكون جزءاً منها، واشياً، أو متسبباً بكوارث لغيره دون أن يكون على دراية بما يفعل، ولنكون في النهاية مع «بانوراما» خاصة لما تعرضت له الطبقة الوسطى في ليبيا، من عملية ترويض ومن ثم قمع وصولاً إلى الإلغاء، مع أن الطبقة التي ينتمي إليها الطفل أقرب للغنية، إلا أن المحيطين بها جميعاً من المتوسطة.


أسئلة كثيرة تطرح نفسها بعد قراءة الترجمة العربية لرواية «في بلاد الرجال» المكتوبة أصلاً بالانجليزية، وقد رشحت لجائزة بوكر العالمية. نكتفي بسؤال واحد منها: هل كان المستوى اللغوي للسرد متفقاً مع طفل؟ جواب ذلك لنا أن نجده باللغة الأصلية التي كتبت فيها الرواية، كونها بالعربية لم تمنحنا تماماً ذلك الشعور.