10 أيام من الحرب الدبلوماسية

 

عندما تأخذ دولة صغيرة دورها في مجلس الامن الدولي، يكون ذلك فرصة لممثليها للتباهي على المسرح الدولي، حيث يجري الحل والربط على مستوى العالم، ويعمد سفراء الدول الكبرى للتودد الى سفراء دول العالم الثالث لحشد اصواتها، ولكن هذا التودد يتحول الى رشى، ايام التوتر العالمي. وعندما سأل الصحافي تيرفور ماكدونالد رئيس حكومة بريطانيا توني بلير امام حشد من النساء المعارضات للحرب قبل خمس سنوات «كيف يجري التصويت في مجلس الامن هذه الايام ؟»اثار ذلك غضب اليستار كامبل مستشار بلير بشدة  الذي اتصل بدوره بمدير البرنامج، و هدد بإلغائه اذا لم يتوقف مقدمه عن اسئلته الخرقاء.


ولكن بلير الذي كانت اولولويته الدبلوماسية هي انتزاع قرار من مجلس الامن لاستخدامه في الحرب على العراق، اعتبر سؤال ماكدونالد غير عادل وذهب بذهنه إلى عام 1990 عندما كانت بريطانيا قادرة على تحقيق مآربها من مجلس الامن. وكان اليمن عضوا في المجلس وقتها و هددته الولايات المتحدة بسحب 12 مليون دولار كان يحصل عليها مساعدات . ومن الواضح ان عمل الامم المتحدة يبدو قاسيا، ولكن الاستعداد للحرب عام 2003 كان اكثر قساوة .


وقبل خمس سنوات في مثل هذا الشهر كانت الولايات المتحدة وبريطانيا تجمعان قواتهما حول العراق. وكانت الدول الصغيرة في مجلس الامن هي المكسيك، و تشيلي، والكاميرون، وباكستان، وأنغولا، وغويانا، والتي تعرضت لضغوط شديدة، كي تصوت لمصلحة القرار الجديد.


وكنت خلال الاشهر الماضية (الحديث للكاتب) اعمل مع فريق من محطة «بي بي سي» لمعرفة ما الذي حدث في الايام الصعبة التي سبقت الحرب و تفحصنا وثائق كثيرة، وأجرينا مقابلات مع اشخاص من ذوي العلاقة، ووضعت ماحصلت عليه في ثمانية افلام قصيرة، سيتم عرضها لاحقا. ويعرض الفيلم الذي تم تصويره في الامم المتحدة كيف تم اقناع الدول التي كانت كارهة للتصويت على القرار الثاني. وتدبر سفير بريطانيا في الامم المتحدة جيرمي غرينستوك امر ايصال معلومات الى نظيره   المكسيكي  ادولفو أغويلار زينسر عن وجود اسلحة الدمار الشامل في العراق.


وتحدث اغويلار الذي توفي عام 2005 في حادث سيارة ، كيف ان المخابرات البريطانية «ام اي 6» ابلغته المعلومات في جوّ مشحون بالامن و التوتر بطريقة شبيهة بأفلام جيمس بوند. وكان هذا المحامي الذكي والمجرب قد سأل ضابط «ام اي 6» وهو يشرح على خرائطه اذا كان لديه ادلة على معلوماته فقال الاخير «كلا ، ولكن لدينا اسبابنا التي تجعلنا نعتقد ان صدام خبا الاسلحة  هنا».


ومن جهته قال رئيس مفتشي الامم المتحدة هانز بليكس ان فريقه لم يعثر على اسلحة العراق النووية، لأنه خباها جيدا. ومن جهة اخرى قال البريطانيون ان صدام يمكنه ان يستخدم اسلحته خلال 45 دقيقة، وهما موقفان اعتبرهما اغويلار متناقضين. وعندما ذهب اغويلار للقاء ضابط المخابرات البريطاني الذي اخبره ان العراق لديه اسلحة غير تقليدية ، خرج من ذلك الاجتماع وهو اقل قناعة عما كان عليه قبل الدخول . و كان هذا رأي آخرين، وحاول اغويلار ان يتخذ موقفا موحدا مع صديقه سفير تشيلي خوان غابريل  فالديس . واتفق الرجلان على انه «من اجل ان تكون الشروط متوافقة مع ميثاق الامم المتحدة، يجب ان يكون هناك ادلة واضحة قبل استخدام القوة، واتفق الرجلان مع سفراء كل من الكاميرون وأنغولا و باكتسان وغويانا، وأطلق عليهم تسمية  «الدول الست التي لم تقرر» وأكد اغويلار انهم ليس فقط لم يقرروا، وإنما يعارضون الحرب. ورأت هذه الدول ان بليكس حصل على الوقت الكافي ليعثر على الاسلحة ويدمرها، او ان يعلن بأن العراق خالية من السلاح. وفي هذه الحالة فإنه ليس هناك دليل على ان هذا البلد يشكل تهديدا .ولكن هذه الدبلوماسية لم تناسب الولايات المتحدة وبريطانيا اللتين كانتا تقرعان طبول الحرب، وكما نعرف الآن فقد كان بلير قد وقع على الحرب، حتى بدون قرار الامم المتحدة.


وضغطت الولايات المتحدة على المكسيك التي استدعت اغويلار من اجل التشاور، ولكن هذا الاخير نجح في اقناع رئيسه فيسنت فوكس، بؤعادته الى نيويورك. وظلت الدول الست على موقفها رغم الضغوط المذهلة التي مورست عليها، والتي فضحها محررو صحيفة «الابزرفر»، الذين حصلوا على مذكرة من وكالة الامن الوطني مفادها ان السياسة الاميركية لن تنجح في حمل الدول المعارضة على التصويت فحسب، وإنما قد تخسر الكثير من الحلفاء و الاتباع.وكانت الوكالة قد حصلت على هذه المعلومات بعد عملية مراقبة دقيقة لمنازل اعضاء الامم المتحدة المذكورين ومكاتبهم ومراقبة هواتفهم ومواقعهم على الانترنت. وشعر غرينستوك ان ثمة سببا اخر يجعله اكثر قلقا اذ إن الضغوط من اجل التوصل الى قرار بلغت ذروتها. وأخذ يشك بأنه ربما تكون هناك محاولة لقرار معاكس، الامر الذي سيكون له نتائج مدمرة على محاولة الحصول على القرار.


وجابت تظاهرة شوارع لندن، زاد تعداد المشاركين فيها على مليوني شخص قبل شهر من الحرب. و تصاعد التوتر في صفوف حزب العمال. وكان الوزير روبن كوك اهم الشخصيات التي قدمت استقالتها، ولكن كان هناك اخرون ايضا استقالوا من مناصبهم احتجاجا على الحرب .
رونان بينيت: كاتب في الأوبزرفر