راقصون يبحثون عن «وطن» في دمشق


«باهوك» هو عنوان العرض الفني الراقص الذي قدمته، أول من أمس، فرقة الراقص العالمي اكرم خان على خشبة مسرح دار الأوبرا في دمشق ضمن فعاليات العاصمة الثقافية للوطن العربي، واستطاع هذا العرض الذي وصل الى دمشق بعد جولة عالمية استقطاب جمهور كبير من السوريين الذين استمتعوا بمشاهدة ثمانية راقصين ينتمون الى جنسيات وثقافات مختلفة يبحثون جميعهم عن «وطن».


يشارك في عرض «باهوك» راقصون من الصين وكوريا والهند وسلوفينيا وجنوب إفريقيا واسبانيا، حاولوا «ان يتواصلوا ويتبادلوا قصصهم وذكرياتهم عن اوطانهم المتعولمة والمتداخلة»، على حد تعبير اكرم خان في تقديمه لعمله الجديد. ويوضح خان «هذا ما سحرني : اكتشاف القصص الشخصية لهؤلاء الافراد على الخشبة من اجل اكتشاف واظهار قصة عالمية كبيرة في النهاية»، ويقول المنتج والمدير الفني لفرقة اكرم خان، الراقص فاروق شودهري إن العرض «بني على اساس شهادات فيديو حية للراقصين، تحدثوا فيها عما يعنيه الوطن بالنسبة اليهم وكيف يرونه، واعتمد عليها اكرم خان في تصميم العرض».


واختار خان البريطاني من عائلة تعود اصولها الى بنغلادش، ان يكون عنوان عرضه «باهوك»وهي كلمة بنغالية معناها «الحامل»، بحسب ما يوضح شودهري، الذي يؤكد «ان موضوع العرض في صميم اهتمامات اكرم خان الذي يشغله تنوع الثقافات وتداخلها. ويذكر خان في احد حواراته انه ولد في لندن ولكنه لا يحس بانتمائه الى ذلك المكان.


وتحدث شودهري عن صديقه خان بصفة الغائب. فهو بداية غائب عن المشاركة في العرض، وهي المرة الاولى التي يصمم فيها خان عرضاً لا يشارك فيه كراقص، وربما يأتي ذلك، كما يوضح منتج الفرقة، بعد ملاحظات تلقاها خان «اشارت الى انه راقص لامع ولطالما تسلط الاضواء عليه في العروض، وتبعد الأنظار عن بقية الراقصين معه»، ويغيب خان أيضاً عن حضور عروض فرقته في دمشق، إذ يشارك في جولة عالمية للعمل الضخم «وحش الشاشة» مع راقصة الباليه الفرنسية الشهيرة سيلفي غييم، لكن هموم خان لم تبارح الخشبة. العرض يجري في مكان يبدو كصالة انتظار في مطار. كراسٍ موزعة يجلس عليها راقصون، ويعيدون توزيع أمكنتها. شاشة رقمية كبيرة تتدلى وسط الخشبة مقسمة الى مربعات صغيرة تتناوبها الاحرف.


يبدأ العرض مع تأهب الراقصين للسفر، بعضهم يتلقى تحية وداع، وآخرون يترقبون كلمات الشاشة لتعلن لحظة الانطلاق. لكن الكلمة تأتي على غير ما يأملون: «انتظار»، وتتوالى الكلمات: «توقيت جديد»، «مؤجل»، وكأنها تدعو الجميع الى التريث قبل الانطلاق، والتأمل قبل الاعتقاد ان وجهة السفر باتت معروفة، أو بالاحرى وجهة «الوطن» ومكانه.


ويشير شودهري هنا الى ان اختيار المطار على انه «باهوك» العرض، او «حامله»، جاء «لأن اكرم خان يسافر كثيرا، وبالتالي فإن المطار يمثل له استعارة للمكان الذي يختصر التنقل بين الامكنة المختلفة دائماً»، في الفواصل الزمنية بين الكلمات التي تظهر على شاشة «المطار»، تتوزع الرقصات. بعضها رقصات منفردة، وبعضها الاخر جماعية. في الفردية تبدو الاجساد مشغولة بهاجس البحث عن وطنها الخاص والتعبير عنه، عبر اعتناقها وادائها لثقافة الرقص التي تنتمي إليها، فهناك الرقص الهندي والباليه الصيني «يشارك في العرض ثلاثة راقصين من الباليه الوطني الصيني» .


وفي الرقصات الجماعية يأتي التجلي الاقصى لفكرة توحد الراقصين في بحثهم عن وطن واحد، فنجدهم يرقصون كأنهم سرب طيور، يتهادى تحليقه في لحظة واحدة فتجول انظار الراقصين على مكان أوحى لهم بالوصول، لكنهم لا يلبثون ان يعاودوا التحليق والسفر . الشاشة تلعب دوراً مركزياً في العرض. فهي الى جانب تقطيعها للرقصات، تتولى مهمة ترجمة حديث الراقص الكوري وهو يسرد بلغته الأم حكايته مع وطنه. حكاية مرهفة يقول فيها انه اضاع طريقه الى وطنه الذي كل ما يعرفه عنه انه كان بجانب النهر، وفي بحثه عن هذا الوطن الضائع وجد النهر وبجانبه رجال «يبصقون»، طلبوا منه مزاولة الفعل نفسه لكنه رفض «لأننا في وطننا لا نفعل ذلك» كما ان كلمات الشاشة اشارت الى مصير واحد يجمع الراقصين في بحثهم، عبر سؤالها الذي تكرر «هل انت ضائع». لكنها تقدم ايضا تصوراً للوجهة الصائبة، عبر بثها كلمات «ماء»، «هواء»، «تراب»، «نار»، وهي العناصر التي يعتقد البعض ان الطبيعة والحياة انبثقت منها. ومن ثم تقدم الشاشة اشارات اكثر دلالة عندما تسأل «ماذا تحمل معك»، ويأتي الجواب «الجس»، «الذكريات»، «الامل» واخيراً «الوطن».«     

 

سيرة ذاتية 

 يعتبر أكرم خان واحداً من ألمع الراقصين المعاصرين، وهو ولد في لندن عام 1974، ودرس رقص «الكاثاك» مع الراقص المعروف سري براتاب باور. وبدأت تجربة خان المهنية في الـ14 من عمره عندما تم اختياره للعمل في عرض «المهابهارتا» الذي اخرجه بيتر بروك عن الاسطورة الهندية الشهيرة. وتابع دراسته في الرقص المعاصر، وقدم بعدها العديد من العروض الفردية منها «الاقدام المستقطبة» عام 2001، «رونين» عام .2003 وفي العام 2003 أسس فرقته الخاصة، وقدم معها عروضاً عدة مثل «كاش» و«ما»، وجال في عروضه حول العالم كما تعاون مع العديد من الراقصين ذائعي الصيت. واليوم يحضّر لعرض بالاشتراك مع الممثلة الفرنسية الحاصلة على جائزة الاوسكار جولييت بينوش سيقدم على خشبة المسرح القومي في لندن خلال سبتمبر .2008