العمليات التفجيرية تنتشر بشكل غير مسبوق في الشرق الأوسط

 

نظرت إلى خالد (الحديث للكاتب) وهو يبتسم ابتسامة عريضة محاولاً ثنيه عن القيام بعملية تفجيرية، وقلت له يمكن ان يصبح صحافياً يؤثر بكتاباته على آلاف الناس، ولكنه نظر إلي وقال «أنت لك مهمتك وانا لي مهمتي». وذهبت الى منزل خالد لأتحدث مع امه بعد ان كتبت عن شقيقه حسن الذي سبقه في هذا النوع من العمليات، وأردت ان اقدم زميلاً كندياً للعائلة هو نيلوفر بازيرا. وعندما شاهدنا خالد كانت ابتسامته تدل بلا ريب على انه التالي في عمليات الموت.


وجلست العائلة في صالة المنزل، الكائن شمال صيدا، وكانت هناك صورة لحسن  الذي فجر نفسه بقافلة اميركية في تلعفر .ومن السهل ايجاد عائلات المتوفين حديثاً في لبنان، إذ يجري الاعلان عنهم من على المآذن في صيدا (معظمهم من الفلسطينيين)، وفي طرابلس شمال لبنان، من السنة «حزب التوحيد» الذي يفاخر بأن لديه مئات التفجيريين من ضمن مؤيديه. وقال عم خالد، يصعب الوصول الى اسرائيل هذه الايام، ولكن الى العراق فإن الوضع مختلف. ومن غير المعروف عدد هؤلاء الذين نفذوا عمليات تفجيرية، ولكن التحقيق الذي اجرته مجموعة من الصحف والجهات الاحصائية العراقية، تظهر ان 1121 فجروا انفسهم في العراق، ولكن هذا الرقم متحفظ جدا، إذ إن ميل السلطات والصحافيين الى ذكر العمليات التي يقتل فيها العشرات، يمكن ان يجعل هذا الرقم نصف العدد الحقيقي.


وربما يكون هذا الإرث الاكثر رعباً وترويعاً لغزو الرئيس جورج بوش العراق قبل خمس سنوات، حيث ادت  العمليات التفجيرية الى قتل 13000 رجل و امرأة وطفل ، وجرح .16112 ولابد من ان نكرر ثانية ان هذه الأرقام هي الحد الأدنى. وهناك أكثر من 529 حادثة تفجيرية لا تتوافر حولها ارقام الجرحى، الذين قالت تقارير انه كبير، وبالتالي ليس هناك احصاء لعدد الذين يتوفون في ما بعد. ولكن رقم القتلى مقارنة  بالعدد الاجمالي للقتلى منذ بداية حرب العراق، يبدو غير مهم، ولكن قدرة منفذي  العمليات التفجيرية على ترويع المدنيين والميليشيات والقوات الغربية كان كبيراً جداً.


ولم يشهد العالم العربي هذا العدد من العمليات التفجيرية في تاريخه، فعندما اجتاحت اسرائيل لبنان عام 1982 كانت هناك عملية تفجيرية واحدة. وخلال الانتفاضة الاولى والثانية في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي كان معدل العمليات التفجيرية أربع عمليات في الشهر، ولكن منذ الاحتلال الانغلو اميركي للعراق، بلغت هذه العمليات عمليتين كل ثلاثة ايام. ورغم ان الحكومتين العراقية والأميركية لاتعترفان بذلك، إلا ان  قلة قليلة من منفذي العمليات التفجيرية تم تحديد هوياتهم أي نحو 10 من أصل كل 1000 عملية. ولكننا نعرف من عائلاتهم ان هناك من هو فلسطيني وسعودي وسوري وجزائري .


ولكن الأمر المثير للخوف ان منفذي العمليات التفجيرية بدأوا يعبرون الحدود الوطنية، ففي غضون سنة من احتلال العراق كان منفذو العمليات التفجيرية من «طالبان» يفجرون انفسهم في القوات الغربية ،او قواعد هلمند، او العاصمة كابول، وانتقلت هذه الظاهرة الى باكستان حيث ادت الى مقتل الالاف من الجنود والمدنيين، حتى ان المرشحة الرئيسة للمعارضة بي نظير بوتو قتلت نتيجة حادث تفجيري. وكانت التفجيرات التي وقعت في لندن قد تاثرت بالاحداث في العراق حتى وإن أنكر توني بلير ذلك. وتحدث السياسيون والاكاديميون طويلاً عن الاسباب التي تحفز هؤلاء الناس على تفجير انفسهم. وقالت اسرائيل انه ليس هناك سمة مشتركة لمنفذي هذه العمليات. ولكن من خلال تجربتي في لبنان فإن هذا الكلام غير صحيح. إذ ان منفذي هذه العمليات يمكن ان يكونوا قد امضوا سنوات عدة في حربهم ضد اسرائيل في جنوب لبنان، او انهم سجنوا وتعرضوا للتعذيب من قبل الاسرائيليين، او اتباعهم ، وأحياناً يكون  أحد أفراد العائلة قد قتل، الأمر الذي جعل فرداً آخر من العائلة يقرر الانتقام.


وكان خالد الذي تعرفت إليه متاثرا بشقيقه حسن، الذي نفذ عملية تفجيرية، والذي سهلت انتقاله الى العراق جماعة غير معروفة، وقامت بتدريبه ومن ثم نفذ عمليته ضد دورية اميركية في تلعفر. وفي الحقيقة فإن معظم هذه العمليات لم تكن بدافع ديني، وان كان الكاميكاز الياباني قد قاموا بعملياتهم بدافع الخوف من حاملات الطائرات الاميركية، إلا ان بعضهم قال انه قام بهذه العملية من اجل إمبراطور اليابان، وتمكن اليابانيون من تنفيذ 4615 عملية انتحارية، في حين أن العراقيين تمكنوا من تنفيذ نصف هذا العدد.


وعلى الصعيد الفردي يمكن مشاهدة الحزن الذي تعيشه عائلات منفذي العمليات التفجيرية. ورغم ان أم خالد كانت تشعر بالفخر بابنها حسن إلا انها ذرفت الدموع عندما قيل لها ان ابنها يجب ان يبقى الى جانبها، فقد كانت هذه المرأة تشعر بالتيه بين حب الام وواجبها الديني والسياسي. وقال حسن لا اكترث بسلوك الناس هنا، لاني اقوم بذلك من اجل الله وليس من اجل الناس. وعند هذا الحديث لم يكن هناك مجال للمزيد من النقاش. اذا كان رئيس أكبر دولة غربية شن حرب الطيبين ضد الاشرار، فإن خصومه سيفعلون الشيء ذاته.


وكانت اول عملية تفجيرية في العراق قام بها الرقيب العراقي علي جعفر موسى حمد النعماني حيث فجر سيارته في مجموعة من المارينز الاميركيين. وخلال سنوات الحرب ركزت العمليات التفجيرية على قوات الامن العراقية التي يجري تدريبها على يد الاميركيين. وفي مرحلة لاحقة وقعت عمليات تفجيرية عند مساجد الشيعة والسنة، الامر الذي نجم عنه مقتل اعداد كبيرة من المدنيين، ومن ثم تبادل الطرفان التفجيرات في الجامعات والاعراس والزيارات الدينية، التي كان يقوم بها الشيعة الى الاماكن المقدسة.

روبرت فيسك
مراسل الإندبندنت في الشرق الأوسط
 
 

طباعة