أمير الرمل والكلمات

 

تعرفت إليه اسماً ذا إيقاع سحري ممتع وراقص، لا أتذكر كيف؟ لكنني أتذكر جيداً كيف كنت وحدي أقول اسمه في الشارع في مشياتي وعوداتي الطويلة والحزينة باتجاه نفسي الـمتأرجحة بين نضارة النمو وصدمته، في البيت، أيضاً، ضبطني أهلي أغني اسمه الغريب، حينها لـم أكن أعرف عنه شيئاً، كامل الـمغني، كامل الـ م غ ن ي، قد أكون التقطت اسمه من مجلّة أو إذاعة أو صديق، لـم أهتم بمن يكون، لـم أسأل عنه، كنت غارقاً في إيقاع اسمه حتى الغيبوبة، كأن اسمه كان هو الأغنية اللوحة الحلـم، حين نضجت، عرفت أن اسمه الفاتن يصلح بقوة لأن يكون بوابة عالـمه التشيكلي الجميل، قادتني أغنية اسمه إلى أغنيات لوحاته. 


نعم، كان يرسم وكأنه يغني أفكاره وألوانه وخاماته بصوتٍ يميل إلى البكاء، قالت لي صديقة درّسها كامل في جامعة النجاح: إن أستاذها كان يعيش الرسم عيشاً كاملاً، كما نعيش نحن بيوتنا ومهننا وأهلنا وأطفالنا، حضوره الجسماني والطيفي بيننا في الـمرسم ذو طابع بلّوري مكثّف وملون مليء بالحنان والذكاء، يرى العالـم كلوحات، يتعامل معه بهدوء وفكاهة حزينتين بالتأكيد. لكنهما فائضتان بالتفهّم والتسامح. 


في زمن الـموت الجماعي الوطني، مات كامل الـمغني، مات ميتة فردية خاصة لا علاقة لها بسحر الصورة في الفضائيات والشعارات والهتافات ورنين الدماء الـمدوي، يا لصعوبة وقسوة هذا النوع من الـموت، لا أحد ينتبه، لا أحد يتذكر أو يهتم، أتذكر ميتة حسين البرغوثي، الأصدقاء يحملون بأيديهم جسده الـمنتهي، عبر الشارع الذي يتوسط مشفيي رام الله وزايد، الرصاص يتطاير فوقهم وفوق حسين، لـم تهرع الفضائيات لتصوير شهقات حسين الأخيرة، لـم تأتِ لتأخذ لقطة مقرّبةً ليده التي ما زالت تحتفظ بشعاع شمس غريب يبدو كالجرح الجميل، هطل عليه من النافذه قبل أن يلفظ أنفاسه، لـم تسأله عن نصّه الأخير، ورأيه بقصيدة النثر، هل يعقل أن تفعل ذلك؟ هل أنا مجنون لأتوقع ذلك، أو لأكتب عن ذلك؟ إنها مشغولة بموت آخر أكثر إثارة وفتنة وأقل تعباً في الوصف والتأمل، وأقرب إلى الله والـمجموع والسائد، أجساد أخرى تموت دفاعاً عن فكرة العيش بكرامة، هل قلت كلـمة كرامة؟ يا لها من مفارقة، إن عالَـمي حسين وكامل، أيضاً، كانا يحتفيان دوماً بكرامة الإنسان ورقيّه وطاقاته العالية وجمال قلبه وسخاء روحه.


أكان يجب أن يموت حسين وكامل بالرصاص حتى يصبح  لـموتهما ذلك الصخب وتلك القشعريرة الجماعية الـمقدسة والراضية عن نفسها؟ كان الرمل خامة كامل الأخيرة في مقاربة عالـمه الخاص وهاجس عصره وقضية بلاده، لـم يهدأ لحظةً وهو يبحث عن خامات جديدة، وهل يهدأ الفنان؟! فهدوؤه يعني الـموت، كذلك كان حسين مهجوساً حدّ الغياب بابتكار تقنيات وجماليات أخرى للتعبير عن صراعاته مع نفسه ومع التفكير القبائلي والحزبي والفاسد والسطحي، في بلاده التي ضاعت فيها الثقافة في غابة السياسة، حتى صرنا نجد كتّاباً وفنانين أعضاء فاعلين بقوة في أحزاب وحمائل ومؤسسات أهلية، صار النص وجهاً آخر للهتاف والتنظير والتعميم الحزبي. كانت غزة في عين كامل الـمغني اليسرى، كان العالـم في اليمنى، لـم يسمح لغزة أن تسيطر على العالـم، لـم يتح للعالـم إقصاء غزة، فنان ذكي غنى بلاده والعالـم بتوازن مدهش، ودقة صلبة. 

zkhadash@yahoo.com