صراع دولي على خيرات القارة القطبية الشمالية

بينما يذوب جليد البحر المتجمد الشمالي بسرعة نسبية، تستعد الدول القطبية للسباق من اجل الموارد التي قد يتكشف عنها ذلك الغطاء الابيض، وتقدر المساحة التي انحسرت عنها الثلوج هذا الصيف بأكثر من مليون ميل مربع، وهذا من شأنه ان يخفض الى النصف حجم الغطاء الثلجي الذي كان سائداً هنا قبل 50 عاما. ولاول مرة ينفتح الممر الشمالي الغربي، وهو ذلك الممر الخرافي الذي يربط اوروبا وآسيا - والذي ظل يبحث عنه المستكشفون الاوروبيون الاوائل سدى لقرون من الزمان - ينفتح امام الملاحة. وأصبح ما يشغل العالم الان هو متى سيصبح البحر القطبي المتجمد سالكاً امام الملاحة الدولية، ويصبح متاحاً امام التنقيب عن موارده الطبيعية الطائلة المترسبة في طيات الارض؟

بدايات الصراع

إذن فقد فتح الاحترار الكوني المجال امام خمس قوى دولية قطبية للسباق من جديد من اجل مناطق النفوذ والاستئثار بالموارد الطبيعية، وكانت روسيا اول من طالب بحقها في هذا الصدد عام 2001، اذ قدمت موسكو مطالبها للامم المتحدة مدعية احقيتها في 460 الف ميل مربع من المياه القطبية الغنية بالموارد الطبيعية، حيث تعادل مساحة هذه المنطقة مساحة كل من ولايات كاليفورنيا وإنديانا وتكساس مجتمعة، ورفضت الامم المتحدة هذا الطلب، الا ان الكرملين ارسل كاسرة جليد تعمل بالطاقة النووية مع غواصتين لزرع العلم الروسي على ارض البحر القطبي الشمالي. وبعد ايام من ذلك نظمت روسيا، بشكل استفزازي، مناورات طيران لقاذفات قنابل استراتيجية فوق المحيط المتجمد الشمالي لاول مرة منذ الحرب الباردة.

من ناحيته، اعلن رئيس الوزراء الكندي، ستيفن هاربر، عن تمويل قطع جديدة للدوريات البحرية في المنطقة القطبية المتجمدة، وإنشاء ميناء عميق، ومركز تدريب طقس بارد على طول الممر الشمالي الغربي. اما الدنمارك والنرويج واللتان تسيطران على جزيرتي غرينلاند وسفالبارد على التوالي، فتسعيان باستماتة لاستصدار حقوقهما في المنطقة.

وفي الوقت الذي تتهيأ فيه القوى القطبية لتتقاسم المناطق المتجمدة، بدت الولايات المتحدة على الهامش، ولم يصادق مجلس الشيوخ الاميركي على اتفاقية الامم المتحدة بشأن قانون البحار، تلك الاتفاقية القيادية في الحقوق البحرية، على الرغم من نيلها تأييد الرئيس الاميركي جورج بوش، والمنظمات البيئية غير الحكومية، والبحرية الاميركية، ورئاسة خفر السواحل الاميركي، وبعض الاصوات القيادية في القطاع الخاص. وعلى الرغم من ذلك ليس لدى الولايات المتحدة اية حقوق في هذه الموارد الطائلة بعيداً عن الساحل الشمالي لألاسكا بعد منطقتها الاقتصادية الخالصة، ولا تستطيع الولايات المتحدة ايضاً الانضمام للجنة الامم المتحدة التي تحكم مثل هذه المطالبات. والاسوأ من ذلك هو ان واشنطن تخلت كلياً عن حقوقها في الدائرة المتجمدة الشمالية.

ويعتقد المراقبون ان واشنطن لن تقف مكتوفة الايدي، حيث ان الاقليم القطبي لا تحكمه حالياً قوانين او قواعد شاملة لان العالم لم يكن ليتوقع ان تصبح هذه المنطقة في الوقت الجاري صالحة للملاحة، او ان تشكل مجالاً واسعاً للتجارة، وأن القرارات التي ستتخذها القوى القطبية خلال السنوات المقبلة ستشكل جغرافية هذا الاقليم مستقبلاً. ومن دون ان تتعاون واشنطن في ايجاد حلول دبلوماسية للدول المتصارعة في حول هذه الموارد فإن الصراع المسلح قد يتفجر في هذا الاقليم. 

احتياطات نفط وغاز

تقدّر بعض المصادر ان تضم المنطقة القطبية ربع احتياط العالم من النفط والغاز الذي لم يتم اكتشافه بعد، وتذهب بعض المصادر الى ان المنطقة التي تدّعي روسيا احقيتها فيها قد تحوي 586 مليار برميل من النفط. وبالمقارنة فإن الاحتياطات النفطية السعودية المؤكدة لا تتعدى 260 مليار برميل. 

وبدأت مؤسسة «جيولوجيكال سيرفي» الاميركية اول دراسة شاملة لموارد المنطقة، وأول مناطق ستخضع لهذه الدراسة تغطي مساحة 193 الف ميل مربع شرق احواض غرينلاند الاخدودية، ووفقاً للقراءات الزلزالية الاولى فإن هذه المنطقة من المحتمل ان تحتوي على تسعة مليارات برميل من النفط، و86 ترليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، ويبدو ان ساحل ألاسكا القطبي يضم ما لا يقل عن 27 مليار برمـيل من النفط.

الجائزة الدولية التالية تتمثل في الممرات البحرية التي قد تنشأ جراء ذوبان الثلوج، ففي القرن التاسع عشر لم تدخر القوى العظمى آنذاك جهداً لاختصار المسافة للاسواق الاسيوية الغنية، وبعد ان علمت تلك القوى ان الممر الشمالي الغربي تسدّه الثلوج طوال العام اسقطته من حساباتها. وانتعشت المصالح الاستراتيجية في المناطق القطبية مرة اخرى خلال الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، عندما جعلت الغواصات النووية والصواريخ العابرة للقارات، الدائرة القطبية اكثر المناطق البحرية عسكرة في العالم، والآن صارت رغبات مستكشفي القرن التاسع عشر اقرب للحقيقة، وستختصر الطرق عبر الطريق البحري الشمالي (شمال أوراسيا) والممر الشمالي الغربي (شمال اميركا الشمالية) ستختصر  اياماً عدة من زمن الرحلة البحرية، ما سيوفر لشركات الملاحة آلاف الاميال البحرية. وسيختصر الطريق البحري الشمالي المسافة بين روتردام ويوكوهاما من 11200 الى 6500 ميل بحري فقط، اي بنسبة 40%، وبالمثل سيختصر الممر الشمالي الغربي الرحلة البحرية من سياتل الى روتردام بما يصل الى 2000 ميل بحري، اي بنسبة 25% مما هو عليه الحال في الوقت الراهن الذي يمر فيه الطريق عبر قناة بنما. وإذا وضعنا في الاعتبار رسوم القناة وتكاليف الوقود، وتكاليف اخرى متنوعة، فإن هذه الطرق المختصرة ستقلل تكلفة الرحلة الواحدة لسفينة حاويــات كبــيرة بأقل من 20% - او تقريباً من 17.5 مليــوناً الى 14 مليون دولار - وهذا من شأنه ان يوفر لصناعة الملاحة مليارات الدولارات في السنة. هذه الوفورات ستجنيها ايضاً بنسب كبيرة السفن التي لا تستطيع عبور قناة السويس او بنما وتمر في الوقت الجاري عبر رأس الرجاء الصالح. اكثر من ذلك ستسمح هذه الممرات الجديدة للسفن التجارية والحربية بتفادي المرور عبر المناطق الساخنة في الشرق الاوسط والمناطق الموبوءة بالقراصنة، مثل بحر الصين الشمالي، وتفادي الاستفزازات الايرانية في مضيق هرمز. 

خطر كبير

على الرغم من الامكانات الهائلة للمناطق القطبية من حيث الملاحة البحرية واحتياطات الوقود فإن ما سيؤول له هذا الاقليم يحظى بتجاهل تام على مستوى كبار المسؤولين في الخارجية الاميركية، ومجلس الامن القومي الاميركي، حيث ان احدث بيان بشأن الدائرة القطبية الشمالية يعود لعام 1994، ولا يشير هذا البيان لغطاء الثلج المنحسر، والآن فإن الموقع الاستراتيجي والموارد الطبيعية الهائلة تجعل هذا الاقليم احد المصالح الوطنية المهمة. وعلى الرغم من ان هذا الاقليم يحمل مستقبلاً واعداً للبشرية فإنه ايضاً يخبئ خطراً ماحقاً. 

غياب الأطر القانونية

لا يوجد سوى اطر قانونية قليلة توفر بعض الارشادات، حيث ان المجلس القطبي ليس له وجود للاطلاع بالشؤون البيئية، وظل صامتاً عن اكبر التحديات التي تواجه الاقليم لأن واشنطن نزعت منه الفعالية عن قصد منذ انشائه عام 1996 عندما حظرت عليه التدخل في الاهتمامات الامنية. ويجادل معظم المراقبين ان اتفاقية الامم المتحدة بشأن قانون البحار هي الاطار المناسب لمثل هذه التحديات، الا ان هذه الاتفاقية لا يبدو تطبيقها منطقياً على الدائرة القطبية، حيث ان الظروف الجغرافية المميزة للاقليم لا تسمح بتطبيقها. هناك ايضاً حفنة من المسائل غير المحسومة التي لم تغطها هذه الاتفاقية، فخلال الفترة من 1958 الى 1992 أنزلت روسيا 18 مفاعلاً نووياً في المحيط المتجمد ولايزال معظمها مشحون بالوقود النووي، ويتطلب الامر حل هذا الاشكال.

ادّعاءات ومطالبات

تدعي موسكو ان نصف المحيط المتجمد الشمالي من حقها، لكن لجنة الامم المتحدة التي راجعت هذا الطلب أعادته لموسكو طالبة منها المزيد من البراهين الجيولوجية، وهذا ما جعل المستكشف الروسي الشهير ارتر شلنغاروف يعلن خلال احدى رحلاته للقطب الشمالي الصيف الماضي ان «الدائرة القطبية من حقنا وينبغي ان نؤكد وجودنا فيها». ومن الطبيعي ايضاً ان تتحرك الدول القطبية الاخرى في هذا الخصوص، حيث قدمت النرويج مطالبتها للجنة الامم المتحدة عام 2006 من اجل الحصول على مزيد من الموارد القطبية، وتقوم كل من الدنمارك وكندا بجمع البينات توطئة لتقديم مطالباتهما للجنة، وتتنازع كل من اوتوا وكوبنهاغن في الوقت الجاري على جزيرة هانز، التي لا تتكون سوى من صخور ناتئة قاحلة محاطة بالمياه الغنية بالموارد في مضيق نريز بين جزيرة الزميري الكندية وغرينلاند. 

حتى الولايات المتحدة، على الرغم من رفضها التصديق على اتفاقية الامم المتحدة بشأن قانون البحار، ارسلت قبل سنوات قليلة كاسرات الجليد للقارة القطبية لجمع البينات استعداداً في ما يبدو لمطالبات اقليمية اذا ما وافق مجلس الشيوخ على هذه الاتفاقية.

ايضاً هناك معركة في ما يبدو حول الممرات البحرية، فقد اطلقت كندا لتوها نظام مراقبة بالاقمار الفضائية تم تصميمه لرصد السفن التي تنتهك مياهها الاقليمية. 

عن «فورين إفيرز» لسكوت جي بورجرسون