«المجموعات الأربع الأولى».. درس عام في السعادة وخاص بالحزن - الإمارات اليوم

«المجموعات الأربع الأولى».. درس عام في السعادة وخاص بالحزن

 فعلها الشاعر السوري منذر مصري وأصدر مجموعاته الأربع الأولى في كتاب من العيار الثقيل، عن دار «أميسا» في دمشق،
 
أو من تلك الكتب التي ما إن تهجرها وتفرغ منها حتى تعود إليها، بوصفه لا يركن إلى الرف، والعودة إليه تأتي تحت إملاءات المتعة ولذة تقليب القصائد والتعرف مجددا إلى ما اقترفه من شعر في تلك القصيدة أو تلك،

وقد بذل أقصى ما في وسعه، وفي وسع منذر مصري الكثير، ليجد الكلمات الصحيحة التي تقول أشد الحالات إلتباسا بأقصى قدر من السهولة والانسياب المتحالف مع توثيق كل ما تقع عليه حواسه، ومن ثم الخلوص إلى تلك العبارات التي مهد لها لكي تحفر عميقا، بعد تعريف القارئ من أين أتت، ومن أي جهة هبت وكيف أطبق عليها منذر المصري  بكلتا يديه وأعضائه وروحه ليقول مثلا:  ليكن الحب - قاطع طريقكِ ليكن الحب خاطفك.  

بيعي على عجلٍ كلَّ ما لديك الخفيف يذهب بعيدا - ولا تتعب قدماه لكن هنالك أثقال القلب. .

في الكتاب أو الكتب فيضان شعري جارف، وملامح مخلوق شعري رُوِّض بعناء كبير، ومن ثم أفلت من قفصه وراح مع ذلك يفترس كل ما يصادفه.

هناك خيانات، ولحظات وحدة لا تحفل بها القصائد، بل بمرور الوقت على من هو وحيد، ومدى مشقة أن تخرج بشيء من الملل، والكيفية التي تبدد بها الحياة، وقسوة ما هو رقيق، مع فعل تبديل للمسميات والتعاريف، والخروج من أدنى الأشياء إلى أرفعها بشيء واحد مقدس ومؤله في شعر منذر ألا وهو الحياة،

والدنيوية فقط، والقادرة على أن تكون من لحم ودم، وملامح لا ينال منها أي تجريد أو فعل مناف للشهوة والحواس، وما يطبق عليه بالجسد كاملا سليما، لا يعرف إلا أن يواصل عبوره على سطح الأوراق وقد دمغها بحبر شهوته وفرحه وحزنه ونزقه دون أن يتجاهل رشاقته ورقصه على مقربة من الهاوية التي لا تغيب حتى وإن كان الفرح متقدا.

كأن أحدا سرق صباحاتكم فتهرعون إلى المرآة تحملقون طويلا في أنوفكم وعند القيلولة  ترفعون صوت المذياع ثم تنظرون إلى الغروب بحزن وتندمون على الوقت. للاستفاضة والانحياز لما تقدم، يتيح الكتاب أن يوضع كاملا تحت عنوان «بشر وتواريخ وأمكنة» بدل أن تكون مجموعات أربع هي بالترتيب «آمال شاقة»، «بشر وتواريخ وأمكنة»، «كن رقيقي»،«دعوة خاصة للجميع»،

لا بل إن الأمر يتعدى ذلك في قصدية يتم إيضاحها تباعاً، إلى مجوعتيه الصادرتين عن دار رياض نجيب الريس «مزهرية على هيئة قبضة يد»، و«الشاي ليس بطيئا»، وأخيرا «من الصعب أن ابتكر صيفاً»، بمعنى أن عنوان «بشر وتواريخ وأمكنة»

يصلح لأن يكون الناظم لتجربة هذا الشاعر، ومدخلا للعبور إلى عالمه الخاص، بحيث تكون المنطلق الرئيس لارتكاب القصيدة لديه، ولعل كل ما يقوله منذر يمر من هذا الثالوث، الأمر الذي يصل في «دعوة خاصة للجميع» إلى تسمية البشر بأسمائهم مثل يوسف عبدلكي، ومرام مصري وعلي الجندي وإلياس مرقص. 

والقائمة تطول من شعراء ورسامين وكتاب وصولا إلى مصطفى عنتابلي صديق منذر والذي لا يتوقف عن كتابة قصيدة عنه إلا ليبدأ بأخرى.مصطفى الذي «هجر الشعر بعد أن اكتشف كم فيه من ادعاء» أو كما يقول منذر مستعينا ببعض أسطر مصطفى:  ما عدت   مضطربا كثياب في غسالة ولا ضائعاً مثل  «عقرب دقائق وحيد في ساعة».

منذ على التحديد أربع أو سبع أو عشر سنوات حين لا تدري ماذا رميت وماذا أضعت وماذا أخذ عنك عنوة «فوضع قلبه  في قطرميز زجاجي نظيف ورفعه على الرف».

يشكل كتاب منذر الأخير، القادم من بدايته خلطة رائعة من الشعر، ومزجا استثنائيا لحيوات هي حياة كل قارئ على حدة، وتماهيا مع شعراء آخرين يقولهم منذر على طريقته الخاص، مثلما هو الحال مع أولى قصائد الكتاب «من جيب معطفي الخاكي» المتحالفة مع حساسية الشاعر اللبناني الكبير شوقي أبو شقرا والمهداة أصلا إليه «إيفاء لدين قديم» كما يورد الكتاب:  الأرض طفلة أحضرها أبوها لتعمل عندنا خادمة. .

أستعين بقصيدة «سر المعلم» لأؤكد أن قصائد المجموعات الأربع مثلها مثل المعلم الذي يعطي دروسا عامة في السعادة ويأخذ لنفسه دروسا خاصة بالحزن، مع تبادل الحالتين وتناوبهما على كتاب يشكل بحق دعوة خاصة للجميع
طباعة