روسيا الجديدة تمارس ديمقراطيتها الخاصة

 

تمكّن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من تحقيق تقدم كبير في سياسته الداخلية بعد الانتخابات الأخيرة التي أعطت الثقة لمرشحه لرئاسة الجمهورية، الأمر الذي سيساعده على تنفيذ خطته لضمان سيطرته على مقاليد الحكم في موسكو. وتباينت ردود الفعل في الدول الغربية، ففي الوقت الذي شن الإعلام الغربي حملة شعواء ضد بوتين واتهمه بالديكتاتورية، يكتنف الغموض شخصية الرئيس المنتخب ديمتري ميدفيديف الذي كان ينشط في الظل. 


يقول الكاتب البريطاني جوناتان ديمبلي، الذي ألف كتاباً عن روسيا «عدت من روسيا بمزيد من الوعي بأن الروس ليسوا مثلنا» وأضاف صاحب كتاب «روسيا.. رحلة إلى قلب الأرض والشعب»، «بالأساس، ليس لدى الروس انتماء للغرب، كما أنهم لا يتقاسمون معنا القيم الغربية» والواقع أن ديمبلي يلمح إلى أن الشعب الروسي مرَّ، خلال السنوات الأخيرة، بتجربة صعبة للغاية، وكان من الطبيعي أن يتوافق الرأي العام مع رغبة بوتين، في ما يخص اختيار الرئيس. وقد لا يعترض كثيرون لو ان بوتين اتخذ قراراً بتعيين ميدفيديف رئيساً دون إجراء انتخابات. 


ويرى المراقبون في قرار بوتين بالبقاء في الحكم، من خلال شغله لمنصب رئيس الوزراء، تطميناً للشارع الروسي، وتأكيداً  بأن المرحلة المقبلة لن تحمل مفاجآت. وقد كانت سنوات حكم بوتين إيجابية إلى حد كبير، اذ شهد القطاع الاقتصادي انتعاشاً نسبياً، وعرف الشعب الروسي استقراراً اجتماعياً ملحوظاً، وبدأت آثار أزمة التسعينات تتلاشى. ولعل أهم إفرازات تلك الأزمة، تراجع الحماسة الشعبية تجاه الديمقراطية، التي جاءت بالرئيس بوريس يلتسين إلى الحكم. 


وقد غلب في السنوات الأربع الأولى من حكم بوتين، طابع الإصلاحات الداخلية، اذ استطاع خلال هذه الفترة استرجاع سلطة «الكرملين» على الأقاليم. ومن بين الإجراءات المهمة التي اتخذها أيضاً في هذه الفترة، محاسبة ما سمي بـ«حيتان الأموال» الذين توسع نفوذهم السياسي من خلال الأموال ووسائل الإعلام، ما أدى إلى هروب كثير منهم، أو الزجّ بآخرين في السجن مثل الملياردير خضركوفسكي.


الماضي والحاضر
يشعر الزوّار الغربيون لروسيا بالصدمة عندما يسمعون الروس وهم يقولون إن الديمقراطية بالنسبة إليهم هي «الحالة التي كانت عليها روسيا إبان حكم يلتسين». ويذكر أن البلاد عانت في عهد يلتسين  أزمات اقتصادية واجتماعية ومالية حادة. واستغل أعضاء الحزب الشيوعي تراجع قوة السلطة آنذاك، وقاموا بالاستيلاء على مؤسسات الدولة وأموال الطبقة المتوسطة، من خلال عمليات خصخصة مشبوهة.


وكانت النخبة في روسيا تشعر بالذل والهوان أثناء فترة حكم يلتسين، الأمر الذي دفع بالكثير منهم إلى الهجرة خارج البلاد والاستقرار في البلدان الأوروبية. في حين كان رجال الأعمال الغربيون ينظرون إلى روسيا على أنها مستعمرة، ويرون في يلتسين حاكماً استولى على ثرواتها، وقام بتهميش الشريحة الكبرى من الشعب. ومع أن الروس لم يعرفوا الديمقراطية من قبل، إلا أنهم يرفضون «ديمقراطية يلتسين».


ويرى محللون أن الرئيس الجديد استفاد كثيراً من حالة الانتعاش في الاقتصاد الروسي التي تحققت في عهد بوتين. ويعتقد أن هذا من الأسباب الرئيسة لهذا الفوز الكبير. فقد رأى الناخبون في ميدفيديف أفضل شخص يمكنه تحقيق املهم في رخاء طويل الأمد. كما بدا انتصار ميدفيديف حتمياً بتأييد بوتين له، خصوصاً أن الرئيس المنتهية ولايته حاول خلال فترة حكمه ان يعيد روسيا إلى الواجهة كقوة عظمى في العالم، وهو ما أدى أيضا لزيادة شعبيته في الداخل. وكان الرئيس الجديد قد أكد في  مناسبات عدة على ضرورة الاستفادة من ارتفاع عائدات روسيا من صادرات النفط لتحسين مستوى المعيشة، كما أعلن رغبته في تخفيف قبضة الحكومة على المؤسسات الكبرى. وفي ضوء ذلك يبدو انتقال السلطة في «الكرملين» سلساً حيث يبدو الرجلان متفقان على مواصلة العمل المشترك في إدارة شؤون البلاد.


اختلاف جوهري
من خلال الأعمال الفنية والأدبية وإيقاع الموسيقى يتضح أن روسيا لا تشبه أي دولة غربية، فكل شيء فيها مختلف عن الغرب، حتى طريقة معاملة الروس بعضهم بعضاً. ومن أهم معالم الأمة الروسية، بقاء المعتقدات الدينية رغم الإلحاد الذي تبنته الدولة الشيوعية على مدى 70 عاماً. 


ورغم اختلاف سياسة موسكو، بشكل جوهري، عن سياسة الدول الغربية، تبقى روسيا جزءًا من المنظومة الغربية. ومن يدري فقد يختار الروس الديمقراطية ذات يوم، بعد أن تندمل جروحهم، وتمحى الذكريات السيئة من أذهانهم. الأمر الذي يبقى رهن التزام القيادات السياسية بالتغيير. كما أنه ليس في مصلحة أي طرف، أن ينشب نزاع مسلح بين روسيا والدول الغربية. وفي حال نشب مثل هذا النزاع فسيكون الخطأ خطأ الجميع، دون استثناء.


يذكر أن الغرب لم يلتزم بتعهداته إزاء الاتحاد السوفييتي السابق، حيث كان الاتفاق على عدم التوسع نحو الدول الشرقية بعد انسحاب السوفييت منها، حيث ضم الاتحاد الأوروبي العديد من تلك الدول، ولايزال الخلاف قائماً حول إقامة منظومة دفاعية أميركية في عدد من هذه الدول. كما انسحبت الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ الباليستية، الذي وقعته في موسكو. وفي الوقت الذي غابت فيه الثقة تماماً بين الروس والأميركيين، لا يوجد أمل حقيقي في إعادة بـناء الـثـقة بـين الشعبين.


وفي تحدٍ واضح لروسيا سعت الدول الغربية لتقسيم صربيا وبادرت بالاعتراف باستقلال اقليم كوسوفو، رغم الاحتجاجات الروسية، وتناقض التقسيم مع القانون الدولي. واعتبرت موسكو السلوك الغربي غير المسؤول تهميشاً لدورها في المنطقة، وضرباً للمصالح المشتركة التي تجمع الطرفين. ورغم ما حدث، لا يبدو أن العالم مقبل على حرب باردة جديدة، نظراً للعوامل الجيوسياسية التي تمنع حدوث مثل هذا الصراع. كما أن روسيا في حالة اقتصادية تسمح لها بالمناورة سياسياً، وقد تساعدها الطفرة النفطية على تجاوز العديد من العقبات. إذا فلا داعي للخوف، فروسيا الحديثة تخطو خطوات واثقة لاستعادة موقعها الاقتصادي وهيبتها السياسية.

عن «اليابان تايمز» و«لي زيكو»