تراجع «الديمقراطية» عالمياً.. رغم اتساع خريطتها


منذ عام 1974 تحولت اكثر من 90 دولة الى النظام الديمقراطي، ومع نهاية القرن الماضي كانت نسبة الدول الديمقراطية في العالم 60%، وحتى الدول العربية نفسها تأثرت بذلك. 

ولكن الديمقراطية بدأت تتعرض للكبوات والخنق في عدد من الدول بصورة تدريجية، بما فيها نيجـيريا وروسـيا وتايلاند وفنزويلا وأخيرا بنغلاديش والفلبين، وكانت معظم الدول التي تعتبر من القادمين الجدد الى النادي الديمقراطي، مثل تشيلي وغانا وبولندا وجنوب افريقيا تواجه مشكلات كبيرة في الحكم. 

قبل ان تزداد الديمقراطية انتشارا يجب أن تتجذر في الدول التي وصلت اليها، ومن المعروف ان اي جيش يقوم بترسيخ وجوده في الاماكن التي يستولي  عليها قبل ان يواصل زحفه.
 
مسببات التراجع
عجز صناع السياسة والمحللون الغربيون عن التعرف إلى مدى تراجع الديمقراطية لأسباب عدة، منها لجوء التقييمات الدولية من قبل ادارة الرئيس جورج بوش والمنظمات المستقلة المحترمة مثل «فريدم هاوس» الى سرد العدد الاجمالي للانظمة الديمقراطية واهمال حجم والاهمية الاستراتيجية للدول المقصودة.
 
ورغم تحذيرات خبراء السياسة منذ اكثر من عقد من الزمن من «المغالطات الانتخابية» إلا أن ادارة بوش وحلفاءها واصلوا الاعراب عن ارتياحهم عن هذه  الديمقراطية الشكلية.

 وفي مناطق اخرى في دول الكتلة الشرقية سابقا، تمثل  الديمقراطية ظاهرة شكلية تعاني من اشكال عديد من الحكم السيئ، واجهزة الامن السيئة، وسيطرة حكم الاقلية، في حين ان النظام القضائي غير فعال.
 
ويكون مواطنو هذه الدول، خصوصا الفقراء منهم مجرد مواطنين بالاسم، وليس لهم اي امل في الوصول الى السلطة. وبناء عليه فان مثل هؤلاء الناخبين يمكن ان يصوتوا لاشخاص اقوياء امثال  الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين او الفنزويلي  هوغو شافيز في فنزويلا، او  رئيس الوزراء السابق تاكسين شيناواترا في تايلاند.

متطلبات خاصة
وتمثل كل هذه المشكلات تحديات للنظام الديمقراطي، اذ يتعين على الدول الديمقراطية ان تستمع لمواطنيها وان تساعدهم للانخراط في العملية السياسية.
 
ولايكفي وجود الانتخابات في الدولة والمعارضة كي تكون ديمقراطية، اذ يتطلب الامر ادارة انتخابية حيادية والوصول الى وسائل الاعلام على نحو عادل، ومراقبة استقلالية الانتخابات. وبتطبيق هذه المعايير يمكن ان تكون هناك دول كثيرة تعتبر ديمقراطية، بعيدة تماما عن هذا الوصف.

واضافة الى ذلك فان معظم سكان الدول الديمقراطية يعتقدون ان السياسيين والاحزاب لا يخدمون الا مصالحهم.
 
في حين انحدر مستوى ثقة الناس بالانظمة التي تحكم بالقانون والديمقراطية في كل من آسيا وافريقيا واوروبا الشرقية.

وهذه ليست مفاجأة، اذ  ان اللجوء الى الغش في الانتخابات وانتشار الفساد غالبا ما يؤدي الى تدمير التجارب الديمقراطية الواعدة.

لطالما يرى البعض ان اقتصاد السوق والنمو الاقتصادي هي مفتاح تكريس الديمقراطية، ولكن التجربة العملية تشير الى انه من دون المؤسسات القانونية والقضائية التي تسيطر على الفساد وتعاقب المخادعين وتضمن استمرار النمو الاقتصادي، لن يكون هناك اقتصاد قابل لاستمرار.
 
وحققت كينيا في ظل حكم الرئيس مواي كيباكي نموا اقتصاديا غير مسبوق ولكن عدم استباب الامن واستمرار الصراع العرقي جعل الدولة في وضع حرج.

وفي واقع الامر لم يفشل الرئيس كيباكي في سياسته الاقتصادية، وانما فشل على الصعيد السياسي عن طريق التغاضي عن الفساد والمحسوبية.
 
وتحتاج الانظمة الديمقراطية ذات الاداء الضعيف الى مؤسسات ديمقراطية افضل واقوى، اي احزاب، وبرلمان ، وحكومات محلية تربط المواطنين بعضهم ببعض.
 
ولايمكن ان تقدم مثل هذه المؤسسات الكثير لقضية مشاركة المواطن في الحياة السياسية في الدول الديمقراطية الضعيفة، لان الانظمة السياسية تكون عادة خاضعة لسيطرة النخبة، وفاسدة.

ويتطلب الاصلاح، التحويل الديمقراطي للاحزاب على المستوى الداخلي، عن طريق تحسين الشفافية وتسهيل وصول الجميع الى المناصب القيادية.
 
وفي الواقع، فان المؤسسات الحكومية ليست هي الوحيدة التي تحتاج الى تحسين، إذ ان الديمقراطية الفاعلة تستلزم تطويرا في المهارات التقنية، والمصادر، والمعايير المهنية.

ولابد من القول ان هذه الاصلاحات يجب ان تؤدي الى اقتصاد سوق اكثر انفتاحاً، حيث يكون من الممكن تجميع الثروة عبر الجهود المخلصة والمبادرة في القطاع الخاص.