صناديق الاستثمار السيادية تحمي استقرار أسواق المال العالمية

 
تواجه صناديق الاستثمار السيادية عاصفة غير مبررة من الانتقادات والشكوك، من جانب سلطات استثمار ومراكز أبحاث ووسائل إعلام في الدول الغربية، بدعوى أن هذه الصناديق ترتدي قناع الاستثمار لتنفّذ أجندة سياسية خفية تخدم المصالح الاستراتيجية للحكومات المالكة لها. 

ورغم وجود أكثر من 40 صندوقاً من هذا النوع على مستوى العالم، إلا أن صناديق الاستثمار السيادية الخليجية تحظى بنصيب الأسد من الانتقادات والشكوك، تليها في المرتبة الثانية صناديق الاستثمار الصينية.  

ووصفت دراسة حديثة، أجراها مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، صناديق الاستثمار السيادية الخليجية بأنها «القوى العظمى المالية المقبلة».

وحسب تقديرات صندوق النقد الدولي فإن إجمالي الأصول التي تديرها صناديق الاستثمار السيادية بلغ ثلاثة تريليونات دولار في نهاية عام 2007، ومن المتوقع أن يرتفع حجم الاستثمارات إلى 12 تريليون دولار بحلول عام .2012

  ويشير تقرير أعده بنك «مورغان ستانلي» إلى أن هيئة أبوظبي للاستثمار، هي اكبر صندوق سيادي استثماري في العالم، ويدير أكثر من 875 مليار دولار، تليه وكالة النقد السعودية «ساما» برصيد 350 مليار دولار، وهيئة الاستثمار الكويتية برصيد 250 مليار دولار، ثم هيئة الاستثمار القطرية برصيد 80 مليار دولار. 

مخاوف وشكوك 
وأعربت لجنة الاستثمارات الأجنبية الأميركية، التابعة لوزارة الخزانة، عن خشيتها من أن يؤدي تزايد عدد الصناديق السيادية، وتضخم حجم الأصول التي تديرها إلى فرض سيطرة الدول الأجنبية على المؤسسات المالية والبنوك وشركات السمسرة وشركات التكنولوجيا الحساسة والتأثير في أسعار الطاقة بالأسواق المحلية،  وقدرة الحكومات الغربية على اتخاذ القرارات بعيداً عن التأثيرات السياسية.

وقد عبّر وكيل وزارة الخزانة الأميركية، روبرت كوميت، عن هذه المخاوف بقوله إن الصناديق السيادية تضخمت إلى مرحلة تتطلب اليقظة التامة، والكلام نفسه عبر عنه رئيس لجنة البورصات والأوراق المالية الأميركية كريستوفر كوكس الذي شكا من أن «هذه الصناديق ليست لديها الشفافية الكافية عندما يتعلق الأمر بدوافع شراء الأصول أو حجمها أو كيفية إدارتها». 
 
 
وذهبت المفوضية الأوروبية إلى حد مطالبة صندوق النقد الدولي بسن تشريع دولي لتقليص المخاوف التي تحيط بعمل صناديق الاسـتثمار السـيادية، التي ستؤدي حسب تصريحات المسؤولين الأوروبيين إلى تنامي قوة العملة الأوروبية الموحدة «اليورو» بصورة تضر بالقدرة التنافسية للصادرات الأوروبية التي تعد المصدر الرئيس للنمـو في اقتصاديات الدول الـ27 الأعضاء في الاتحـاد الأوروبي.

ورأت مراكز أبحاث أن «الصناديق السيادية لا يمكنها فقط أن تقوّض استقرار الأسواق المالية العالمية، وان هي أرادت ذلك، وإنما أيضا تحملها مسؤولية انهيار العملة الأميركية بسبب  سعي هذه الصناديق إلى الاستحواذ على أصول أجنبية بعملات أخرى غير الدولار، سواء في آسيا أو أوروبا، ما أدى إلى تراجع الطلب على الدولار». 

ويشير باحثون في مجلس العلاقات الخارجية الأميركي إلى أن «نسبة الدولار من حقيبة الاحتياطيات من العملات الأجنبية على مستوى العالم تراجعت في نوفمبر 2007 من 65% إلى اقل من 63%، وفي المقابل، ارتفعت نسبة اليورو من 25.5% إلى 26.4% خلال الفترة نفسها، ما يعجل -من وجهة نظرهم- بنهاية حقبة سيادة الدولار.

وطالب  الباحث في معهد بيترسون للدراسات الاقتصادية ادوين ترومان بمنع  صناديق الاستثمار السيادية من حق التصويت على قرارات مجالس إدارات الشركات والجمعيات العمومية.
 
  
  ديكتاتورية اقتصادية
واعتبر المدير التنفيذي لمجموعة إدارة الأصول في مجموعة «شعاع كابيتال» هيثم العرابي أن «الفوائض المالية لدى الدول المنتجة للنفط هي الوجه الآخر لعجز الميزان التجاري الأميركي، ومن الطبيعي أن يتجه جزء من هذه الفوائض إلى الاستثمار في الولايات المتحدة». 

ونفى أن يكون للصناديق السيادية أي دور في  تراجع قيمة الدولار، مشيراً إلى أن «العكس صحيح حيث أسهمت هذه الصناديق في وقف تراجع قيمة الدولار وانخفاض أسعار الأصول في أميركا بسبب أزمة الرهونات العقارية».  

وأوضح انه من الناحية التاريخية لا توجد شبهة استغلال سياسي من جانب الصناديق السيادية، وإذا كان ذلك صحيحاً بصفة عامة فإنه أكثر صحة في حالة الصناديق الخليجية التي لا يوجد بينها أي تنسيق أو تعاون حيث يعمل كل منها باستقلال تام عن غيره». 

ورأى العرابي أن «الحنين لسياسات الحماية والعزلة هو المسؤول عن تغذية الشكوك تجاه الصناديق السيادية، بدليل أن الصناديق السيادية تعمل في الدول الآسيوية، وتسهم في تطورها الاقتصادي ولم يثر احد  قضـية وجود أجـندة سياسية». 

وأشار إلى أن «المؤسسات الدولية التي  تطورت في أحضان الغرب كانت هي التي ابتدعت إلحاق شروط سياسية بتقديم القروض وتوقيع اتفاقات الاستثمار، وبالتالي هي تحاول إسقاط التهمة على الصناديق السيادية». 

وأضاف أن المطالبة بحرمان الصناديق السيادية من حقها في التصويت يعني تفريغ شعارات الاقتصاد الحر وآليات السوق من مضمونه، وتثبت أن المجتمعات الغربية مصابة بنوع من انفصام الشخصية، ففي الوقت الذي تطالب فيه بالديمقراطية السياسية تتبنى فكراً قائماً على  الديكتاتورية الاقتصادية». 

وحذّر العرابي من أن إصرار الدول الغربية على موقفـها من الصـناديق السيادية سيلحق الضرر بها على المدى المتوسـط والبعـيد، ويسـهم في زيـادة حدة الاختلال في الاقتصاد العالمي من خلال تحويل الاسـتثمارات إلى الشـرق الذي سيصبح مركزا للنفوذ الاقتصادي العالمي.

اتهامات باطلة
ورأى الخبير المالي والاقتصادي فؤاد زيدان أن «الاتهامات الموجهة إلى صناديق الاستثمار السيادية اتهامات باطلة لا أساس لها من الصحة»، مشيراً إلى أن بعض هذه الصناديق، وفي مقدمها هيئة أبوظبي للاستثمار، تمارس عملها منذ عقود دون أن يثبت عليها، ولو في واقعة واحدة، شبهة وجود أجندة سياسية. 

وأكد زيدان أن «صناديق الاستثمار السيادية تلعب دوراً مهماً في استقرار أسواق المال العالمية»، مشيراً إلى أن هذه الصناديق استثمرت خلال السنوات الأربع الماضية أكثر من 59 مليار دولار لشراء حصص في أسهم عدد من أهم البنوك وشركات الوساطة المالية العالمية، ما حال دون انهيارها مثل صفقة «سيتي غروب» و«مورغان ستانلي» و«بلاكستون».  

ولفت زيدان إلى أن هذه الصناديق تلعب دوراً حيوياً في تحفيز النمو في اقتصاديات الدول التي تمارس نشاطها على أراضيها، وخلق ملايين من فرص العمل وزيادة مستوى الدخل، وهي فوائد لا يمكن تجاهلها. 

ورأى أن «صناديق الاستثمار السيادية ظاهرة طبيعية بسبب تراكم الفوائض النفطية لدول الخليج ونقص فرص الاستثمار المتاحة محلياً ورغبة الدول الخليجية في تنويع اقتصادياتها بعيداً عن البترول وضمان مستوى ثابت من الإيرادات يحول دون تقلبات أسعار النفط التي عانت منها الدول الخليجية في فترات سابقة».  

وقال زيدان انه بالرغم من ضخامة حجم الأصول التي تديرها صناديق الاستثمار السيادية والتي تصل، حسب تقديرات صندوق  النقد الدولي، إلى أكثر من ثلاثة تريليونات دولار، أي ما يعادل ضعف حجم الأصول التي تديرها صناديق التحوط التي تقدر بنحو 1.5 مليار دولار، إلا أن حجم هذه الأصول يعد ضئيلاً بالمقارنة مع حجم الأصول التي تديرها صناديق المعاشات التي تقدر بنحو 59 تريليون دولار.

       
سياسات الحماية
ورأت خبيرة الشؤون الاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ماري نيكول أن «الشكوك والمخاوف تجاه أنشطة صناديق الاستثمار السيادية في الغرب يحركها الحنين إلى السياسات الحمائية والرغبة في العزلة».

واستبعدت أن يكون لصناديق الاستثمار السيادية دور في انخفاض قيمة العملة الأميركية، مشيرة إلى أنها ليست المرة الأولى التي ينخفض فيها الدولار الأميركي في مواجهة العملات الأجنبية الأخرى الذي وصل إلى اقل من 100 ين مقابل الدولار واقل من  جنيهين إسترلينيين في وقت من الأوقات، حتى قبل أن تظهر الصناديق السيادية إلى الوجود.  

وأضافت نيكول أن «الصناديق السيادية لها استراتيجية مميزة في الاستثمار تركز على المدى الطويل، والقدرة على تحمل درجة عالية من المخاطر، ما يعطيها نوعاً من الحصانة في مواجهة تقلبات أسواق المال العالمية، وهو ما يتناقض مع مدارس الاستثمار التقليدية التي تركز على المدى القصير والرغبة في البعد عن تحمل المخاطر والتأثر بتقلبات  أسواق المال العالمية، وهو ما يفسّر خطأ من قبل البعض على انه سعي وراء إدراك أهداف سياسية معينة.  

ورأت نيكول أن «الحكومات المالكة للصناديق لم تعد تقنع في ظل فرص الاستثمار الضخمة المتاحة في الأسواق العالمية بوضع احتياطياتها الضخمة من العملات في صورة سندات وأذون خزانة والحصول على عائد ثابت مقابلها، في الوقت الذي يمكنها مضاعفة هذه العوائد من خلال استراتيجيات استثمار طويلة المدى». 

وأكدت انه من الصعب تصور وجود تشريع دولي يلزم هذه الصناديق بأسلوب عمل معين، مشيرة إلى أن الشفافية في ممارسة عمل هذه الصناديق كفيلة بالرد على أي انتقادات.

وأشارت إلى أن الأصول الضخمة بالعملات الأجنبية التي تسيطر عليها هذه الصناديق يمكن أن تلعب دور صمام الأمان في حماية العملات الوطنية والمؤسسات المالية خلال الأزمات وفترات التقلب التي تمر بها الأسواق العالمية، فضلاً عن قدرتها على توفير مستوى ثابت من الإيرادات للحكومات المالكة يسمح لها بخفض مستويات الضرائب وزيادة القدرة التنافسية لاقتصادياتها.
 
ميثاق شرف 
تنص مسودة ميثاق شرف صناديق الاستثمار السيادية التي يقوم صندوق النقد الدولي بصياغتها على:
1- ضرورة الالتزام بالاستثمار لأغراض تجارية بحتة والبعد عن السعي لتحقيق أهداف سياسية.

2-التنافس مع القطاع الخاص بصورة شريفة وعادلة. 3-الالتزام بالحفاظ على استقرار أسواق المال العالمية.

4-احترام تشريعات وقواعد الدول المضيفة التي تعمل صناديق الاستثمار السيادية على أراضيها 

5-الكشف عن حجم الأصول التي تديرها ونوعية الأنشطة التي تستثمر فيها وبأي عملات. 

6-عدم إتاحة المعلومات الاقتصادية الحساسة بحوزة الصناديق للمسؤولين السياسيين في الدول المالكة للصناديق.
 
تعريف
عرفت وزارة الخزانة الأميركية صناديق الاستثمار السيادية بأنها صناديق استثمار حكومية تمول من احتياطيات العملات الاجنبية للدول المالكة ولكنها تدار بصورة منفصلة عن احتياطيات العملات الاجنبية وتهدف الى الربح من خلال الاستحواذ على حصص في اسهم الشركات الاجنبية
.
 
قلق عام
أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «بابليك استراتجيز انكوربورشن» وشمل 1000 ناخب أميركي، قلق غالبية الأميركيين من قيام صناديق الاستثمار السيادية بشراء المؤسسات المالية وشركات التكنولوجيا.

وقال اثنان من بين كل ثلاثة شملهم الاستطلاع إن سيطرة الصناديق السيادية على الشركات الأميركية ستكون لها آثار سلبية.  ويعتقد واحد من بين كل خمسة أميركيين ممن شملهم الاستطلاع أن هذا النوع من الصناديق يشكل خطراً على الأمن القومي الأميركي. 

وقالت نسبة 68% من المستطلعين إن السماح للشركات الأجنبية بتملك حصص أغلبية في الشركات الأميركية يعطيهم الكثير من السيطرة على الأسواق الأميركية. 

وجـاءت صناديـق الاسـتثمار السعـوديـة عـلى رأس قـائـمة الصناديق التي يخشى منها الأميركيون  بنسبة 68% من إجمالي عدد الناخبين الذين شملهم الاستطلاع فيما جاءت الصناديق الصينية في المرتبة الثانية بنسبة 60%.