إعدام كتب


طالعتنا الصحافة من قبل بخبر عن قيام دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي بإعدام جملة من الكتب العلمية والفقهية وعددها يقارب تسعة آلاف نسخة تحوي أكثر من عنوان وبقيمة إجمالية تقدر بنحو 750 ألف درهم.
 
وكان تبرير الدائرة لهذا القرار أن رؤيتها تتمثل في نشر الثقافة الإسلامية الوسطية، وتعللت بأن الكتب والإصدارات التي كانت تصلح لفترة من الفترات أو عصر من العصور قد لا تصلح لفترة أو لعصر آخر، واننا وأمام هذا التناحر تستوقفنا أسئلة تتطلب إجابات علمية ومقننة، لا أن تكون عبارات مرسلة لا تنم عن حرفية في العمل أو المنهج، ومن بعد ذلك نرى أنفسنا قد طرحنا قضية دون حل.

وهو الأمر الذي لا عاقبة له سوى تضليل الرأي العام. فما يدور في خلد القارئ لهذا الخبر، من أنه ما السبب الحقيقي لحرق كتب فقهية علمية قديمة وتراثية حوت خلافات مذهبية؟! فإن كانت الإجابة هي اختلاف الآراء، فالمستوجب حرق جميع كتب الفقهاء والأئمة القدماء لأنها مبنية على اجتهادات متفاوتة، كل منها ناسب العصر والزمان والمكان الذي عاش فيه مؤلف الكتاب والمذهب، أما وأن تتعلل الدائرة بأن الكتب حوت خلافات فقهية، فهو أمر مردود لأصحاب الاختصاص.
 
فهم الذين يقدرون ذلك ولا يكون من اختصاص أحد أن يسلب المطلع والمتعلم والباحث حقه في القراءة لأمور مختلف فيها فقهياً ومذهبياً، ولا استغراب من ذلك القول، وأعني الذين لم يدرسوا أحكام الشريعة الإسلامية والفقه، ذلك أن أساس اختلاف المذاهب الذي اعتبره كثير من العلماء أنه رحمة بالأمة مناطه هو اعتبار الوسطية في السلوك والمنهج.
 
لا الإلزام وفق وجهة نظر واحدة، فلا نحن بالذين نرضى بأن نساق سوقاً وفق وجهة نظر أشخاص معينين يرون في الكتب التي أعدها غيرهم من العلماء أنها غير صالحة لزماننا، وأي زمان يتكلمون عنه، ونحن نعيش في دولة لا يزيد عمرها على أربعين عاماً، فأي تغيير مصاحب لمللنا أو ديننا في هذه الفترة؟ ثم إن من المعلوم أن هذه الكتب عندما أعدت كانت تحت إشراف علماء أجلاء، يترأسهم عالم فاضل هو الشيخ الدكتور أحمد محمد نور سيف، وهو أستاذ علم جليل مشهود له لدى الكافة، لا يمكن إنكار اجتهاده، خصوصا أن هذه الكتب التي أحرقت إما أن تكون كتباً فقهية معتمدة أو أبحاثاً علمية جديرة بالنشر.

لأنها قد حكمت من لجان وعلماء رأوا أنها مجازة للنشر أي أنه قد اعتمدها أكثر من عالم، وأكد صلاحيتها للنشر، والسؤال الآخر الذي يستوجب رداً من القائمين على إعدام هذه الكتب هو ما اللجنة التي عُينت لدراسة هذه الكتب والأبحاث؟ وهل تم التشاور مع دور الإفتاء العالمية الأكثر خبرة في هذا المجال حتى يقر إعدام هذه الكتب التي تستنزف الأموال العامة وبهذا الشكل؟

وفي جميع الأحوال فإنني أطالب بمحاكمة قضائية عادلة يصار إلى نصبها للأطراف المتسببة بهذا الهدر للمال العام، سواء كانت لمحاكمة من أقر طباعة هذه الكتب وهي غير صالحة لزماننا ومكاننا، أو محاسبة من قام بإعدام هذه الكتب قبل أخذ موافقة اللجان والمراكز العلمية ذات القرار والثقل، وليقل القضاء كملته الفصل في من أصاب أو أخطأ ويتحمل نتاج عمله حتى لا نساق لرأي دون آخر.
 
   
yousuflaw@yahoo.com