«فيلم قصير عن القتل».. يمتد أثره إلى ما لا نهاية

 
من لا يعرف السينما البولندية فإنه من المفترض أن يكون قد  سمع بكرزستوف كيسلوفسكي، وثلاثية الألوان، «أزرق، أحمر، أبيض»، الأفلام الثلاثة الشهيرة التي حققها، إضافة لفيلميه «فيلم قصير عن الحب» و«فيلم قصير عن القتل»، والتي تستحق جميعاً استعادة تمليها جماليات تلك الأفلام وخصوصيتها الساطعة، والتي تشكل مثالاً على سينما بولندية ذات مدرسة خاصة.
 
ما نقدمه في الأسطر التالية يتمثل بقراءة لـ «فيلم قصير عن القتل»، انتاج عام 1988 والحائز على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان «كان» في العام نفسه.
 
والذي يأتي بفعل القتل ليزرعه في ذوات مشاهديه طويلاً رغم أنه كما يقول لنا العنوان فيلم قصير عنه، أي القتل، الذي يشكل النقطة التي تحاك حولها كل الخيوط الدرامية في الفيلم، ماضياً قدماً نحو لحظة قتل مؤلمة، تتعقب الألم وانتشاره في الجهات الأربع لهذا الفعل.
 
يبدأ الفيلم مع شخصياته الثلاث الرئيسة، كل يمضي في حياته، الأول شاب يوحي كل ما هو عليه، وما حوله بأنه يتسكع، تحت وطأة فقدانه شيئاً عزيزاً، يمشي على غير هدى، يتحرى صور المشاهد في صالة سينما، ويسأل قاطعة التذكر عن الفيلم المعروض، فتقول له إنه عن الحب، بينما تكون مشغولة بنتف الشعرات البيض في رأسها، يدخل حماماً عمومياً، فيركل من يتبول إلى جانبه لأنه ابتسم له، يقف على جسر ويرمي بحجر على السيارات التي تمر من تحت الجسر، تصرخ عليه امرأة عجوز بأن يبتعد لأنه يخيف الحمامات التي تطعمها، فيركض نحو الحمامات ويجعلها تطير، وفي خط مواز نرى سائق تاكسي يغسل سيارته، يسأله شاب وفتاة أن يقلهما فيهرب منهما، ويتوقف لدى كلب أجرب ويرمي له بطعام يقول له هذا من صنع زوجتي.


وفي خط مواز ثالث، نرى أحدهم في صدد إجراء مقابلة تتيح له إن نجح فيها مزاولة المحاماة، فينجح، ويخرج من القاعة فرحاً، حتى أنه يخبر المارة بسعادته، وعندما يتوقف بدراجته التي يقودها إلى جانب سيارة يخبر سائقها بأنه نجح اليوم بامتحان المحاماة، فيراه سائق التاكسي يفعل ذلك، فيهز رأسه أسفاً وتندرا على غرابة هذا الرجل.
 
يلتقي المحامي صديقته، ويمضيان إلى مقهى يكون الشاب المتسكع قد قصده أيضاً، وهناك نرى ذلك الشاب يعقد حبلاً حول يده، وفي اللحظة التي يغادر شرطي كان يراقبه من خلف زجاج المقهى، يخرج وينتظر إلى أن يأتي سائق التاكسي سابق الذكر فيستقل سيارته، ويمضي إلى أن يصل إلى منطقة شبه نائية فيضع الحبل على عنق السائق ويشده كونه يجلس خلفه.
 
شروع الشاب بالجريمة، لا شيء أمام الكيفية التي يجهز بها على سائق التاكسي، واصرار كيسلوفسكي على أن يجعل المشاهد يعيش نزاعات الضحية بكل تفاصيلها، لا بل إن مقاومة الضحية الموت، يدفع بالشاب، للاستعانة بقطعة حديدية يكسر بها يدي السائق كونه يضغط على زمور السيارة، ولدى يأسه من إمكانية خنقه، يمضي يضربه بتلك القطعة الحديدية على رأسه فيهشمه، ونرى أسنان الضحية قد سقطت على الأرض. ليس هذا فقط، بل تمتد تلك الجريمة لتصل بالقاتل، إلى اضطراره إلى تهشيم رأس الضحية من جديد بصخرة، حين يسمعها تسأله الرحمة وقد بقي فيها من نفس لم يجهز عليه تماماً أثناء جرجرت ما يفترض أنه صار جثة.

أكتفي بهذا القدر من محاولتي وصف تلك الجريمة المروعة، ومحاكاة كيسلوفسكي ربما كم قدم الجريمة في فيلمه، لنرى القاتل يحاكم والمحامي عنه هو المحامي نفسه سابق الذكر، والذي يدخل في حفلة جلد للذات على اعتباره خسر القصية وهي أول قضية يترافع فيها، مع إحساسه بأنه كان في المقهى نفسه الذي كان فيه القاتل، وقد كان من الممكن أن يمنعه، دون أن يعرف هو نفسه كيف، لكنها رقته المفرطة التي تقوده لأن يبقى مع القاتل حتى لحظة إعدامه، والتي يصورها الفيلم أيضاً بكل تفاصيلها.
 
ربما فاتتني بعض الأحداث التي لم أذكرها، لكنها ليست بكثيرة، كون الفيلم حقيقة عن القتل، عن تفاصيله، سواء كان جريمة أو قصاصاً.