أقول لكم


ما أرخص الدم العربي، يُسـفك، ويُهدر، ويتحوّل إلى رقم ضمن إحصائية، سـواء كان دم مسـلح أو طفل أو كهل لا يقوى على الحِراك، وسـواء ماتوا في أرض المعركة أو في «محرقة» جديدة لا تسجل في قوائم محارق البشرية، وسواء مات عشرة أفراد بصواريخ موجّهة على سيارة مرصودة، أو ذبح مئة شخص في قصف مدفعي تحت منازلهم المهدومة فوق رؤوسهم.

 رخيص هو الدم العربي، ورخيصة بيانات المناشدة التي تصدر عن المنافقين عندما تساوي ما بين القاتل والمقتول، وتطالبهما بضـبط النفس، ونبذ العنف.

ما أصعب اتفاقـنا على عقد مؤتمر قمة عربية، حتى هذه اللقاءات التي نعرف أنها لا تحلّ ولا تربط أصبحت مسـألة انعقادها تحتاج إلى عشرات اللقاءات الجانبية، ومئات الاتصــالات والوساطات، وآلاف التحليلات والتوقعات، وربط العُقد في العقد حتى تتشـابك، فلا نعرف لمَ نحن اختلفنا على موعد انعقاد القمة أو مكانها، يضيع السـبب الأول ضمن مبررات السبب الثاني، ويظهر سبب ثالث يشرح أسباب السـببين السابقين ليتبعه سـبب ثم سبب.
 
فننسى كل الأسباب لصعوبة حلّ طلاسـمها، ونستمر في التسـاؤل حول مكان وزمان انعقاد القمة العربية. ما نفع تلك الأنابيب الطائرة التي تقذفها «حماس» على بعض المسـتوطنات الصهيونية والمسماة تجاوزاً «صواريخ»؟ تُحدث حفرة في شـارع لا يزيد عمقها على بضع سـنتيمترات، أو تخدش إسـرائيلياً سـقطت فوق رأسـه، ذلك هو نفعها، ولكن ما ضررها؟
 
مئة وعشـرون شهيداً في أيـام عدة، وعودة غـزة إلى زمن الفوضى، ودمار لم يسـبق أن شـهده القطاع طوال سـنوات الاحتلال، وحرب تجويع، وانفلات أضاع مقاومة باسـلة كانت ذات يوم مضرباً للأمثال.
 
ما أروع ذلك التشـبيه الذي كنا نسمعه من كبارنا يوم كنا صغاراً ، فمن باب التعفف والأدب كانوا يتحدثون بالمعاني والأمثال حتى لا ينطقوا بما يقلل من مكانتهم واحترامهم، فإذا كان في الحي من لا يقدر الآخرين، ولا يحترم جاراً أو صديقاً أو قريباً، لسـلاطة لسانه وسـوء تصرفه، كانوا يقولون عنه إنه «كيس فحم» فيتجنبه الجميع.

وعندما كبرنا عرفنا تفسـير ذلك، فكيس الفحم الشيء الوحيد على وجه البسيطة الذي لابد أن تتسـخ لو تعاملت معه، بأي طريقة كانت، فإن حملته اتسـخت، وإن جلسـت فوقه اتسـخت، وإن فتحته اتسـخت، وإن احتككت به اتسـخت، ومن البشر من هم كذلك! 

myousef_1@yahoo.com 


تويتر