«وهم العودة».. حقيقة الحق الرمزي - الإمارات اليوم

«وهم العودة».. حقيقة الحق الرمزي


كتاب إن قرأت رواية سمير اليوسف «وهم العودة» The Illusion Of return، الصادرة عن دار «هاليبان» في لندن عام 2007، واستجبت للحفاوة التي استقبلت بها في الصحافة الإنكليزية، فإنك قد تكون تعرضت لمقلب من العيار الثقيل، واستجبت للفضول الذي تحرضه صحف عريقة، مع استثناء «الغارديان» التي تعاملت مع الرواية بحذر واضح، دون أن تتجاهل هذه الصحيفة أيضا عنوانها المحرض الرئيس لهذا الاهتمام، والذي يشكل إلى حد بعيد كل الرواية.


 بعد «البرولوغ» الذي يؤكد فيه الراوي أن 15 سنة مرت على وجوده في لندن، دون أن يغادرها في زيارة إلى لبنان بوصفه فلسطينياً ينتمي إلى الطبقة الوسطى اللبنانية! حتى وإن كان ذلك غير قانوني أو سياسي، بوصفه فلسطينيا لكنه خارج مخيمات اللاجئين، كما يورد سمير اليوسف، مؤكداً أن السنوات التي قضاها في لندن، لم ير فيها أياً من أصدقائه القدامى، إلى أن يتلقى اتصالاً من صديقه علي الذي سيهبط في مطار «هيثرو» في طريقه إلى ميتشيغان، وهذا العلي هو ثالث أصدقائه الاثنين، والذي كان لحدياً، هاجر إلى أميركا بعد انتهاء الاحتلال الاسرائيلي لجنوب لبنان، وليمضي الراوي في استعادة ذكرياته مع أولئك الأصدقاء بثالوث أطيافهم الماركسية والعدمية والوجودية، ومصائرهم في المخيمات الفلسطينية، مع كمية هائلة من الحوارات الفلسفية. 


في ما تقدم كل أحداث الرواية، دون أن يمهل اليوسف القارئ كثيراً حتى يضيء ما يقصده بوهم العودة، عبر حواره مع الطلبة الأربعة الذين يؤكد أنهم إسلاميون من خلال أنهم «لا يلمسون الكحول»، فيوضح رؤيته بعبارة واضحة وصريحة: «بدل أن نخدع أنفسنا بالإيمان بإمكانية العودة الحقيقية، فإن علينا أن نتطلع إلى العودة بوصفها قيمة رمزية». طبعاً تمنح المساحة لإجابات المعارضين لرأيه، بتهكم، وبوضعهم في سياق مشوّه، مانحاً المساحة لتسيد مقولة الراوي التي تمثل عين الصواب، وتحديدا أن أولئك «السفلة» كما على القارىء أن يستنتج عنيفون وهمجيون وأصوليون.


لا تسعى هذه القراءة تحليل «العودة الرمزية»، فهي وجهة نظر لنا أن نقبلها أو نرفضها، لكن بالتأكيد يمكن للقارىء أن يرفض طريقة طرحها، والتسلط الفكري للراوي، واعتقاده بأنه محتكم على الحقيقة، الأمر الذي يتناقض مع ألف باء كتابة الرواية كأن يصف محاوريه بـ«البغيضين» أو «السفلة» كما سبق وأوردنا، بينما يقولون: هل الواقعية أن يعود الاسرائيليون بعد 2000 سنة؟


أليس هذا سؤالاً فيه الكثير من المنطق؟ والتهكم عليه مدعاة للسخرية لمجرد السخرية، وسؤال آخر يتبادر إلى الذهن، هل حق العودة شيء لا ينادي به إلا الحركات الأصولية؟ هل هو حكر فقط على الاسلام السياسي؟.


هذا اعتقاد مغلوط يبنى على أسس التنميط الغربي نفسه، يتناغم مع العمل الناجح  على ما يبدو إلى تحويل الصراع العربي - الاسرائيلي إلى صراع اسلامي - يهودي على اعتبار أن الإدارة الاميركية تغلف صراعاتها بغلاف ديني بحت، وليتعدى الأمر ذلك إلى القول إن «وهم العودة» تلعب على ما يمكن للقارئ الغربي أن يجده عجائبياً، مثل زواج مسلم بمسيحية كما لو أنه شيء لم يحدث من قبل، وأشياء أخرى تجد فرصتها في أن تكتب، مع الاستسلام للمقولات، والخلو من الفعل، أو القص، بحيث يقدم كل شيء مثقلاً بهوس تنظيري، يضيع هو أيضاً، مادام الأمر في سياق رواية لا تروي بل تقول، عبر حواريات مفتعلة تنوء تحت أفكار سبينوزا وانعدام الفعل، والتأريخ لمرحلة في تجريد بارد، وقدرة غريبة على فلسفة كل شيء، وتصوير حياة معطلة عطلت الرواية نفسها تحت ضربات وهم العدوى ربما، وأن تكون العودة تجاهل لشيء أهم ألا وهو التميز والاضطهاد؟

طباعة