الغـــــوص.. رحلة صيد اللؤلؤ

يندفعون في مغامرة إلى البحر، تحملهم قوارب كانت تنتظرهم على بعد أمتار من الشاطئ، استعداداً للانطلاق في رحلة تحت أعماق البحر، بحثاً عن الكنز الأبيض.

يتجمّع النساء والاطفال على الشاطئ لوداع الرجال، ينشدون الاغاني التراثية القديمة، يبدأون بالدعاء والتلويح متمنّين لهم العودة غانمين باللؤلؤ. ليس هذا مشهدا من فيلم سينمائي، بل انه جزء من واقع رحلات الغوص، اولى المهن التي مارسها اهالي دولة الامارات.

وقد عمد برنامج وطني الى التعريف بهذه المهنة بهدف احياء التراث الاماراتي، كونها باتت من التراث بسبب صعوبتها، وانتشار استخدام اللؤلؤ الصناعي، ما جعل ممارستها تقتصر الآن على من يتعاملون معها هواية لا اكثر.

احد الغواصين الكبار في السن روى لـ «الامارات اليوم» مراحل رحلة الغوص بدءا من التحضير، ووصولا الى مرحلة «القفال» وهي عودة الغواصين، الى جانب النساء الكبيرات في السن واللواتي اختبرن غياب الازواج عنهن في رحلات الغوص.

التحضير للرحلة ناصر الكاس آل علي روى لنا تفاصيل رحلة الغوص، وبدأ بالقول «تبدأ مرحلة التحضير للرحلة باختيار الوقت المناسب، ويكون انسبها عند ميول مياه الخليج للدفء، أي بين شهري مايو وسبتمبر، وتستغرق مرحلة التحضير شهراً تقريبا،

بحيث يحدد موعد الانطلاق بعد ان يجمع الغواصون عتادهم ويأخذون المال من «النوخذة» وهو مالك السفينة، الذي يقدم الاموال لهم سلفة ليبتاعوا ما تحتاج إليه العائلة اثناء غيابهم».

وأضاف «لم يكن لدينا مصدر رزق سوى الغوص والسفر والصيد، اذ اعتمد جزء من الإماراتيين على صيد سمك السردين، فيما اتجه قسم كبير الى الغوص، لا سيما في مناطق القحة وهي المناطق القريبة من البحر والمتميزة بقلة عمقها.

ويتوزع الغواصون على «الهيرات» وهي مناطق صيد اللؤلؤ، والتي تنتشر في معظم مناطق الامارات، والتي تختلف فيما بينها من حيث التسميات تبعا لعمقها وغناها باللؤلؤ، لذا هناك بعض المناطق التي تعرف باسم «التبراه» وهي المناطق الغنية بالمحار والذي بدوره غني باللؤلو».

ويتابع آل علي «يشتهر هير بو خريز في رأس الخيمة بهذا المحار الغني باللؤلؤ، حيث كان الغواصون يحملون السلال ليجمعوا فيها المحار لكثرته».

أنواع الغوص

وميز آل علي بين انواع متباينة من رحلات الغوص ومنها «غوص الصيف» الذي يستغرق بين 20 و25 يوما و«غوص العود» ويستغرق اكثر من شهر و«غوص الردة» ويستغرق 10 ايام ويتبعه «غوص الرديدة» في شهر نوفمبر.

 

ويتألف طاقم السفينة كما يبين آل علي من «النوخذة» وهو قائد السفينة، والسردال الذي يعدّ أكفأ النواخذة وأقدمهم وأكثرهم خبرة في أماكن الهيرات وأعماقها والاتجاهات الصحيحة،

والغواص الذي يباشر استخراج اللؤلؤ من قاع البحر وهو أهم شخصية بعد النوخذة. اما السيب فعمله الرئيس هو إنزال الغواص إلى القاع وسحبه منه، كما يقوم بالتجديف من حين إلى آخر، في حين يقوم المقدمي اي رئيس البحارة ونائب النوخذه بتزويد السفينة بالماء والزاد.

ويعمل الطباخ على اعداد السمك والقهوة والشاي، وكل الأمور المتعلقة بالمعيشة، وتعهد الى «الفليق» مهمة تفليق المحار وجمع اللؤلؤ». أدوات ضرورية «اما الادوات التي لا يمكن الاستغناء عنها على متن السفينة، فهي الديين الذي يلتقط به المحار، والفطام الذي يوضع على الانف كي لا يتأذى من الهواء،

وكذلك يستخدم «الخبط» وهو قفاز مصنوع من جلد الغنم او البقر لحماية الاصابع اثناء التقاط المحار وفتحه». وفيما يتعلق بالطعام اكد آل علي ان «وجبة الفطور كانت تقتصر على التمر، في حين كنا نتناول خلال النهار وجبة رئيسة واحدة عند حلول المغرب.

بالاضافة الى انه لم يكن مسموحا خلال النهار شرب الماء في جميع الاوقات، كي لا ينفد الماء منا خلال الرحلة». تقسيم المحصول واشار آل علي الى تباين في حصص العاملين على متن السفينة، بحيث «كنا نجمع محصول اللؤلؤ من السبت الى الخميس، ويسمى هذا المحصول «القرعة»، وتوضع حبيبات اللؤلؤ في «السرار»،

ويِؤخذ مثقال حبات اللؤلؤ كل اسبوع، وبعد مجيئنا الى دبي نبيعه للتجار، ثم نقسم المحصول بعد اعادة السلفة الى النوخذة. ويحصل الغيث على سهمين من المال الناتج عن بيع اللؤلؤ».

هازيج تراثية

كانت النساء تستقبل الرجال بعد عودتهم من القفال بنثر الورود والحلوى والزغاريد والاهازيج التراثية، ومنها: «زغردي يا خالتي.. يا (أم جاسم) زغردي قد عاد طراقُ المواسم جهزي الحناءَ،

هاتي اليـــاسمين هاكِ ماءَ الورد والعطرَ الثمين عطري البشتَ وأعطيني الخـواتم طافت البشرى بأهلِ الحي قومي واتركي عنكِ تِعِلات الهمــومِ قد سمعتُ الكُلَّ في الأسلاف يحكي عن شراعٍ في المدى اجتاز اختبارات المحن لا يبالي الموجَ أو لفحَ السَموم ساعديني ،

رتبي عنّي المساند وانثري المشموم والأشواق في كل الجوانب وأصيخي السمع لـ«الهولو» على الشطآن عائد.