«بيرسيبوليس».. الياسمين في مواجهة القمع

 
لا شيء أبلغ من أن تعيد رسم العالم كما رأيته في طفولتك، ومن ثم تحريك تلك الرسوم على الشاشة الكبيرة، لتقديم سرد يمتزج فيه الشخصي بالتاريخي،

وليتحول سرد طفلة ايرانية لحياتها ومشاهداتها إلى توثيق لتاريخ إيران الحديث، منذ عهد الشاه وصولاً إلى «الثورة الإسلامية» والحرب الإيرانية العراقية، والتغيرات التي رافقت كل مرحلة.
 
ما تقدم يلخص سريعاً فيلم «بيرسيبوليس» الذي يعرض حالياً في صالات العرض المحلية، للمخرجة الايرانية مرجان سترباي، صاحبة قصة «الكوميك» والسيناريو وقد شاركها في الإخراج الفرنسي فينسنت بارنود، ليقدما فيلماً له من الخصوصية الكثير،
 
ذلك أنه استعان بـ«كوميك» جميل وخاص جداً، ومن ثم ترشيحه لأوسكار أفضل فيلم أجنبي في حفل توزيع الأوسكار الأخير. فيلم «بيرسيبوليس» على قدر كبير من الأهمية في هذه المرحلة، على اعتباره يقدم صورة موثقة للتحولات التي شهدتها إيران - شاغلة أميركا وأوروبا والعالم -

ومن خلال الطفلة مرجان، التي تكون شاهدة عليها جميعاً، كونها تنتمي إلى عائلة ذات أصول ارستقراطية، لكن عدداً من أفرادها مال إلى اليسار، سواء والدها أو عمها (أنوش)، ولنشاهد من خلال مرجان، كيف يقدم أعضاء اليسار على مذبح الأنظمة التي تعاقبت على حكم إيران، فعمها أنوش الذي يؤثر في مرجان كثيراً، ويعتبرها ابنته التي لم يرزق بها،

ينفى ومن ثم يعتقل ل10 سنوات إبان حكم الشاه، ولدى انتصار الثورة الاسلامية يعتقل ومن ثم يعدم، ومازال مؤمناً بأن «البروليتاريا» ستسود العالم وتحكمه. وتحت وطأة الحرب الايرانية العراقية، يقرر والدا مرجان إرسالها إلى فيينا لتعيش هناك،

إلا أنها تعاني هناك من شيء آخر، ألا وهو انعدام التواصل، انعدام فهم الآخر، وتقع هناك في حب شاب سرعان ما تكتشف خيانته لها، الأمر الذي لا تحتمله،

مع أنها عاصرت ثورات وحروباً إلا أن الحب يبقى أمضى، لتعود إلى إيران وتواصل عيشها في ظل إحكام حراس الثورة قبضتهم على المجتمع، وتسيّد «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».

  بعد حالة إحباط حادة تعود إلى الجامعة، وتدرس الفنون الجميلة في طهران، حيث الرسم التشريحي، هو رسم لامرأة مجللة بالسواد من رأسها إلى أخمص قدميها، وغير ذلك من التناقضات التي تعيشها مرجان الشابة بأسى،

مروراً بقصة حبها الجديدة لرضا، وزواجها منه، واكتشافها أن مرور سنة على الزواج كفيلة بتدميره. يمكن تلخيص الفيلم بأنه سيرة امرأة حرة في مجتمع يحجب فيه كل شيء، وتحت تهديد السلاح،

والتي كانت في طفولتها تحلم مع من حولها بتغيير الشاه، لا بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى وصف مرجان بالمرأة التي نشأت على الحرية وأفكار العدالة الاجتماعية، والمستعدة لمناصبة كل من يحاول سلبها حريتها العداء،

سواء في بلدها إيران أو في الخارج، امرأة ضد كل ما يشوه الحياة، ويمنعها من العيش بحرية. يبقى أن نؤكد أن الفيلم حمل جماليات خاصة تبدأ من الرسوم،

ولا تنتهي مع تجسيد أحداث تاريخية عاصفة وفق مخيلة طفلة تعشق جدتها التي تحشو ملابسها في الياسمين، وتتساقط منها لدى تبديل ثيابها. حياة الياسمين تلك كما يوحي الفيلم مع نهايته لا يمكن مواصلتها في إيران، فتسافر مرجان من جديد
.