تركيا العلمانية تعود «ديمقراطياً» إلى الحجاب

 

رغم كون تركيا دولة إسلامية عريقة، ومقر الخلافة العثمانية لمدة قرون، تصر النخبة العلمانية في أنقرة على تقديم تركيا على أنها نموذج للدولة العلمانية الأوروبية. وفي الوقت الذي تمسكت فيه فرنسا بالمضي قدماً في تنفيذ خططها لحظر ارتداء الحجاب في المدارس والمؤسسات الحكومية كانت هذه القضية ولاتزال موضوعاً ساخناً للنقاش في تركيا على مدى اكثر من 20 عاماً.

 

ويجتاح النقاش حول قضية الحجاب المجتمع التركي بأسره، وتدافع المؤسسة العسكرية التي تتمتع بنفوذ واسع بقوة عن فصل الهوية العلمانية العامة للدولة عن الممارسات الدينية. وفي المقابل يرى مراقبون أن هذه الصورة لا تعبر عن تركيا بالفعل، حيث تشير التقديرات الى ان 65% من النساء التركيات يرتدين الحجاب. 

 

ويعتبر البعض رفع الحظر عن ارتداء الحجاب في المؤسسات الحكومية حدثاً مهماً في تاريخ تركيا الحديثة، والذي من شأنه أن يفتح الباب من أجل مصالحة مع الذات، في حين يرى البعض الآخر في ذلك سابقة خطيرة تهدد كيان الدولة العلمانية، ويعزز مخاوف الذين يرون في الحكومة الحالية خطراً على الدولة التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك.


ويرى خصوم حكومة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان أن السماح بارتداء الحجاب في الجامعات - الإجراء الذي قد يليه توسيع لرفض الحظر في مؤسسات أخرى، يشكل تهديداً للقيم التركية ومحاولة للعودة بالمرأة إلى العصور «المظلمة». ويذكر في هذا الصدد أن اردوغان اختار أن يرسل بناته إلى الولايات المتحدة للدراسة بسبب حظر ارتداء الحجاب في الجامعات التركية، كما صرح أثناء زيارته لواشنطن.

 

وفي المقابل، تعتقد مجموعات حقوقية ومنظمات ذات طابع اجتماعي أن رفع الحظر عن ارتداء الحجاب لبنة جديدة تضاف إلى جهود الحكومة لتعزيز الحريات في تركيا، وهو ما كانت تدعو إليه هذه المجموعات منذ تولي اردوغان الحكم. ورغم ما حققته الحكومة الحالية من إنجازات مهمة في مجالات حيوية عديدة، يتهمها البعض بالتركيز على الإصلاح الاجتماعي والديني وإهمالها لجوانب أخرى. ويذكر أن أتاتورك لم يفرض أي قيود على سلوك المرأة، في حين تركيزه مقصور على الرجل بشكل عام.


وفي السنوات الأولى من نشأة تركيا العلمانية كان المظهر الغربي، بالنسبة للرجال والسيدات، دليلاً على  الانتماء إلى النخبة الاجتماعية المثقفة كما كانت تعكس الحداثة. ومع تطور المجتمع التركي بدأت مظاهر الحظارة الغربية تغزو المدن التركية وتتوغل في القرى والأرياف. وبات الزي الإسلامي مختلفاً عن ما هو عليه في الماضي، وأصبحت ملامح الزي الأوروبي غالبة على لباس السيدات والفتيات المحجبات. وتسعى أنقرة إلى أن ترسخ القيم الديمقراطية وتطور نظامها العلماني لكي يصبح أكثر ليبرالية وتقبلاً لتناقضات المجتمع التركي.


ويبدو أن بداية رفع الحظر عن ارتداء الحجاب تدل على النضج الديمقراطي في تركيا، ويعتبر طرح اردوغان في هذا السياق صحيحاً لأنه يرى أن الحظر خرق صريح للحريات الدينية. إلا أن ذلك لا يعني تجاهل مطالب المعارضة، التي تدعو إلى عدم تسييس الدين؛ لأن مسألة الحجاب يجب أن تبقى في إطار الحريات الشخصية وتعبيراً عن الالتزام بالمبادئ الدينية. 


وفي هذا السياق، أظهرت حكومة حزب العدالة والتنمية قدرة على التعايش مع معارضيها وخصومها، رغم العقبات الكثيرة التي عرقلت عملها في بداية توليها الحكم.