مات الملك.. عاش الملك


قد يستغرب البعض من أن المبدأ السليم يقول عاش الملك.. مات الملك، لأن الموت يتبع الحياة، ولكن هذا المثل هو بمعنى أن فئة الملكيين، تنادي بأن مات ملكهم الحالي.. ويعيش ملكهم القادم.. أي هم أنفسهم الفئة التي تحمل في جيب معطفها قصيدة عصماء نظمها مرة في حياته أو استنسخها ممن سبق من الشعراء، وما إن يأتي مسؤول حتى يخرجها ويقرأ فحواها دون إحساس أو شعور بمغزاها، ولكنها بالنسبة إليه تليق بالمقام الذي يلقيها فيه.

 

ذات يوم حدثني أحد الإخوة المسؤولين قائلا: استشعرت بعض القيادات في الدائرة التي كنت أعمل فيها، أن تغييراً جذرياً قادماً نحوهم يستهدف الرؤوس العليا ، فانقلب كيان الهيئة رأساً على عقب، وبدأت التخمينات والظنون تشيع شيوع النار في الهشيم، فكل يطرح اسماً للترشح لإدارة هذه الدائرة، وكان اسمي قيد الطرح مع من سيتولى إدارة الدائرة، ووقتها كنت أستبعد أنا نفسي ذلك، رغم سماع أسمي يتكرر على بعض الألسنة، وفي ذات صباح وبينما أنا في مكتبي إذ بزميل لا تربطني به علاقة البتة سوى مجرد تبادل السلام إذا ما التقينا فجأة في أحد ممرات الدائرة، وهو على درجة لا تقل عن درجتي، رأيته في هذا الصباح يدخل علي بابتسامة عريضة، ويأخذني بالأحضان، ويتبادل مع نفسه عبارات الثناء على حسن خلقي ولباقتي وكمالي الذي ما أظن أني أبلغه، ولا أخفيك  ـ يقول لي ـ إنني أخذتني العزة بالإثم بداية وصدقت جملة المجاملات التي ألقاها عليّ، وكاد يأخذني الغرور ، وحملت عدة عبارات من أقواله ودونتها في ذاكرتي حتى أقولها لأحبابي وأصدقائي ومنهم أنت  ـ أي أنا ـ ولكن أيقنت أن صاحبنا ما هو إلا أحد هؤلاء المتملقين عندما أكمل حواره ، فبدأ يشكو حاله، من عدم نومه البارحة طوال الليل ، فاستدركت أمر مديحي منه، وعظمت منه الأمر ويقنت أنه أمر جلل منعه نوم ليل البارحة، فقال لي : لأن زوجتي لم تنم فقلت: لعل المانع خير، فقال : بجانب بيتنا صفيحة قمامة يتكاثر عليها البعوض،فخالجت نفسي كلمات لم يسمعها هو: وما شأني في ذلك؟! فقال لقد قرص البعوض زوجتي وباتت طوال الليل ساهرة، وأنا معها مواسياً، لأنني لا أستطيع أن أرى أحداً يتألم ، وبدأ يسرد عن نفسه روايات وحكايات أنه أحد الرومانسيين الذين يستشعرون بأبسط شيء. وساعتها رآني فاغراً ثغري، فسارعني بسؤال: ألا تعرف أحداً في البلدية يبعد صفيحة القمامة بعيداً عن باب بيتي؟ فأسقط في يدي وقلت صدقت يا أبا حنيفة عندما قلت: آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه، وأنا أقول:أتعلمون حكايته؟ 

 

وكان استشعار أبي حنيفة بنقص عقل من يجلس أمامه ساعتها. بعد أن طرح عليه سؤالاً ينمّ عن جهل وقلة اطلاع ودراية فكانت مقولته .

 

على كلٍ هؤلاء الأشخاص ـ المتملقين ، المتسلقين ، المنافقين ـ وجودهم بيننا هو سنة حياة، لأن الحياة لا تحلو دونهم، فالجاهل من غرته زينتهم وحسن قولهم وسار على منهجهم وهواهم، والفطن من علم حقيقة زيفهم وعرف خباياهم وتفادى مكائدهم قبل أن تصطاده فخاخهم بدأً من صفيحة الزبالة وانتهاءً بشعارهم الذين يتبنونه مات الملك.. عاش الملك..

yousuflaw@yahoo.com