أحلام مؤجلة

 

منذ سنوات، وجدت نفسي فجأة أنخرط في المشهد الأدبي، وبعد مرور فترة من الزمن، تمنيت لو أنني أتقنت حرفة أخرى غير الكتابة، ولم أكتشف أن الأدب ليس حرفة جيدة في بلاد العرب إلا بعد أن تعمقت في الورطة، وأصبحت الكتابة هاجساً يومياً يتحكم في جدولي، ويحجب عني التفكير في أمور العيش الأخرى، تلك التي فلح فيها أصدقاء الطفولة، الذين لم يستسلموا لغواية الكلمات، وفكروا في سلك دروب أخرى، أوصلتهم إلى اكتشاف طرق عديدة لجمع أوراق البنكنوت وبناء البيوت العامرة، بينما أوصلني دربي إلى جمع الكتب، والتفنن في اختيار الزوايا المناسبة لها في منزل بالإيجار لا يتسع لأحلامي..


هكذا اتسعت أحلام الأصدقاء، وتطورت معيشتهم، بينما فرضت عليّ مهنتي الخاسرة حزمة من الأحلام المؤجّلة. تبدو السطور السابقة مقدمة مناسبة للبكاء والشكوى، ويمكن أن ترد على لسان أي أديب عربي. أكتب هذه الكلمات إثر حوار مع مجموعة زملاء من الذين «أدركتهم حرفة الأدب» واكتشفنا أن هذه الحرفة اللعينة تمارس سطوتها حتى في رسم أحلام المشتغلين بها. تبادلنا لعبة كشف الأحلام التي يرغب كل واحد منا في تحقيقها، وتوصلنا إلى خريطة أنموذجية تحصي أمنيات وأحلام الأديب العربي، وفي حين يتسابق الآخرون لابتكار مشروعات تجارية متنوّعة تهدف إلى الربح والثراء، جاءت مشروعاتنا مثالية، لكنها تعكس غياب المؤسسة الثقافية العربية التي تجعل الكاتب يتحمل أوزار غيابها، ويفكر ويحلم نيابة عنها.


أحدهم يحلم بإخراج الثقافة العربية من قوقعة المحلية، ولأجل تحقيق هذا الهدف يرى أن الأولوية تقتضي إيجاد مركز لترجمة الأدب العربي إلى اللغات الأجنبية لغزو الفرنجة ثقافياً، ولتحقيق مكانة عالمية للكاتب العربي. يقاطع زميل آخر، ويرى أن الخطوة الأكثر أهمية تتمثل في تأسيس دار نشر كبرى تتبع الجامعة العربية، وتعمل على طباعة وتوزيع الكتاب بأسعار رمزية، ليصل إلى كل قارئ. حالم آخر قال إن الساحة الثقافية بحاجة لمجلة ثقافية جديدة تؤسس لخطاب مختلف، وتحدث نقلة نوعيّة للثقافة العربية كما فعلت مجلتا «شعر» و«الآداب».


بعد ان انتهى المتحاورون من عرض أحلامهم، كان القاسم المشترك بينها هو البحث عن آلية لتسويق الكتاب والمنتج الثقافي، تعمل على تجاوز الأطر القطرية، وصولاً إلى الجمهور العربي الغفير، عبر استثمار ميزة وحدة اللغة التي كانوا يقولون لنا منذ الطفولة إنها من أهم عوامل الوحدة العربية، وأصبحنا الآن نحلم -على الأقل- بوحدة القارئ العربي، رغم ارتفاع نسبة الأمية التي يمكن أن تضاف إلى عوامل وحدتنا المجزّأة.    وفي ظل حالة اليأس التي يعاني منها الأديب العربي، يتكرر دائماً طرح السؤال عن جدوى الكتابة. وهذا السؤال القديم سيظل حاضراً في الأذهان إلى أن توجد آليات مؤسسية تضمن كرامة الكاتب، وتحتفي بإبداعه، وتغنيه عن التفكير في الهجرة أو الجنون أو البحث عن مهنة أخرى توفر له متطلبات الحياة الضرورية.

slamy77@gmail.com