التغيير في كوبا بات حتمياً بعد كـاسـترو - الإمارات اليوم

التغيير في كوبا بات حتمياً بعد كـاسـترو

 
بعد تعيينه خلفاً لأخيه فيدل كاسترو اطلق راؤول العديد من الإشارات التي تنبئ بعزمه على اعادة اطلاق الإصلاحات الاقتصادية، والتي ساعدت منتصف تسعينات القرن الماضي على ادخال بعض آليات السوق في جسم الاقتصاد ذي الطبيعة المركزية،
 
وعلى الرغم من ذلك فإن التغيير الاقتصادي سيكون بطيئاً بادئ الأمر، وذلك بسبب تأثير كاسترو الذي ان كان قد تخلى عن السلطة بشخصه فإن تأثيره على التغييرات لايزال ماثلاً.
 
سيناريوهان محتملان ويرسم المحللون السياسيون الأميركيون سيناريوهين للتغير القادم على ارض هذه الجزيرة اللاتينية بعد تنحي كاسترو.
 
في السيناريو الأول يشرف الحزب الشيوعي على استقدام نوع من الرأسمالية في الوقت الذي يحتفظ فيه بزمام السلطة تماماً على غرار الصين او فيتنام او المكسيك، ويبدو ان هذا النهج يفضله كبار المسؤولين الذين لا يظهر سوى القليل منهم تعاطفاً مع الديمقراطية.

السيناريو الثاني، وهو الذي ظلت تحلم به واشنطن كثيراً، ويتمثل في انهيار مفاجئ للنظام، وانتقال البلاد بشكل سريع للديمقراطية الليبرالية. ويعتمد السيناريو الأول على فرضية ان كوبا مختلفة كلياً عن اي دولة اخرى، ولا يميل شعبها للديمقراطية.

اما الثاني فيعتقد انهيار النظام بمجرد زوال جاذبية كاسترو وسحره. ويرى بعض المحللين ان الحقيقة تكمن بين هاتين الفرضيتين، وتحت ضباب الدعاية الذي يحيط كاسترو به نفسه.

اختلاف في المنهجية الشيوعية الكوبية تختلف عن الشيوعية في اوروبا الشرقية في انها تمخضت عن ثورة قومية وليست وليدة غزو خارجي.
 
وكجزيرة ترقد قريباً من ابواب القوى العظمى في القرن العشرين وجدت هذه البلاد نفسها واقعة تحت نير التحرش الأميركي بعد الاستعمار الإسباني الطويل، وخضوعها لسيطرة سلسلة من الحكام الأقوياء الفاسدين.

وبعد استيلائه على السلطة لم يكن كاسترو يرغب في التخلي عنها لشخص آخر، ولم يكن الحظر التجاري الأميركي هو الذي جعله يلوذ بأحضان الاتحاد السوفييتي بل ذهب الى هناك طواعية.
 
ومع ذلك فإن الحظر التجاري، والغزو الذي خططت له وكالة المخابرات الاميركية (سي آي إيه) في خليج الخنازير، والمحاولات المتكررة للوكالة لاغتياله، كل ذلك منحه المبررات للتمسك بالسلطة.

ويرى مؤيدو كاسترو انه استغل سلطته هذه لتوفير خدمات صحية وتعليمية ذات نوعية عالمية لشعبه. وكانت كوبا عام 1959 واحدة من خمس دول قيادية في اميركا اللاتينية في كثير من المؤشرات الاقتصادية.

اما الآن فإن كوبا تتفوق عليها في التنمية البشرية ديمقراطيات في اميركا اللاتينية مثل تشيلي والأرغواي وكوستاريكا وليست الأرجنتين ببعيدة عنها، وهناك غياب الحرية السياسية وسيطرة الدولة البوليسية، فاذا ما نقبنا بعيداً تحت سطح الدعاية التي يحيط بها كاسترو نفسه فستظهر طبقة عميقة من عدم الرضا عن النظام.

إلا ان ذلك لا يعني ان الكوبيين على استعداد لتغيير النظام. وخلافاً لكثير من دول اميركا الجنوبية فإن هذه الجزيرة لا تتمتع بإرث ديمقراطي، ولا يعرف ثلثا الكوبيين حاكماً آخر غير كاسترو، فقد يصبون للتغيير، لكنهم يخشون ذلك. 

التغيير قادم وعلى الرغم من ذلك فالتغيير قادم، فكثير من المحللين السياسيين الأميركيين يراهنون على عاملين يحركان عجلة التغيير، احدهما يتمثل في ان المساعدات الفنزويلية لكوبا لن تدوم للأبد،

لاسيما بعد فشل الاستفتاء الدستوري في ديسمبر الماضي، والذي كان سيسمح للرئيس الفنزويلي هوغو شافيز -صاحب فكرة المساعدات- بالبقاء في السلطة لأجل غير محدد.

ومن دون تسديد فنزويلا اجور خدمات الأطباء الكوبيين العاملين فيها (يتم تصنيفها كخدمات مصدرة) فإن ميزان المدفوعات سيظل تحت ضغوط غير محتملة.

وانفقت الجزيرة العام الماضي 1.6 مليار دولار على الأطعمة المستوردة، وتستورد معظم وقودها من الخارج، وتعثرت كثيراً في سداد مديونيتها الخارجية.

المحرك الآخر يتمثل في عدم الرضا الشعبي، وفي حقيقة الأمر فإن جاذبية كاسترو تجعل الكثير من الشعب الكوبي يحترمه ويخشاه لأنه الرجل الذي قاد الثورة بنجاح، واستطاع ان يقف في وجه الولايات المتحدة، وعليه فإن اي نظام يأتي بعده لا يمكنه ان يراهن على هذا السحر الذي كان يتمتع به كاسترو، واصبحت الثورة تفقد ولاء جيل الشباب.

احد هؤلاء الشباب وجه سؤالاً لرئيس المجلس الوطني، ريكاردو الاركون: لماذا لم تتضمن الانتخابات الأخيرة قائمة لمرشحين يحملون آراء مختلفة؟ إذاً فقد اطلق راؤول منذ ان تسلم زمام السلطة اشارات تفيد بأنه يتفهم الاحباط الذي يعيشه العديد من ابناء شعبه،
 
ولعل الحوار الذي نظمه راؤول يوليو الماضي حول القصور الذي شاب الاقتصاد الكوبي دليل على ذلك، حيث يقول راؤول ان اقتصاد بلاده يحتاج الى «تغيير هيكلي وفكري».

ومع وجود راؤول في السلطة فإن خطى التغيير قد تمضي. احد الاقتصاديين الذين شاركوا في اصلاحات منتصف التسعينات يتوقع استئناف هذه الإصلاحات ولكن بوتيرة بطيئة، ويقول «اعتقد ان البلاد ستتخذ خطوة كبيرة نحو اللامركزية واستخدام آلية السوق». 

ويبدو ان هناك شئياً من الانفراجة السياسية في عهد راؤول، وان الكتاب والفنانون احسوا بشيء من الاستقلالية.
 
واعلنت الحكومة ديسمبر الماضي انها تنوي توقيع اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بحقوق الإنسان. الحظر الأميركي  السياسة الخارجية الأميركية حيال كوبا ظلت خاضعة على الدوام لمشيئة مجموعة من المعارضين الكوبيين الأثرياء المنظمين تنظيماً جيداً في منفاهم بالولايات المتحدة،

وتمسكت الإدارات الأميركية المتعاقبة بالحظر المفروض على الجزيرة، على الرغم من انه اثبت فشله المتمثل في ازاحة كاسترو من السلطة خلال اكثر من اربعة عقود من سريانه.

واليوم يظهر التآكل جلياً على الإجماع على هذا الحظر، لأنه ببساطة ظل يؤثر سلبا في حياة الكوبيين العاديين.

وفي الوقت الذي ينادي فيه المرشح الديمقراطي الأميركي باراك اوباما باتباع سياسة جديدة حيال كوبا، اخذ تيار متنامٍ من السياسيين الجمهوريين في الدفع باتجاه تغيير هذا التكتيك القديم.
 
ويقول السيناتور الجمهوري كي بيلي هتشسون انه «ينبغي الالتفات لاستراتيجية جديدة لكوبا تتضمن انفتاحاً تجارياً اوسع، لاسيما في مجال تجارة الأطعمة».

ويعتقد الكولونيل المتقاعد لورانس ويلكرسون، مدير مكتب وزير الخارجية السابق كولن باول ان مثل هذا التغيير لن يحدث خلال فترة الإدارة الأميركية الحالية.  

 راؤول في سطور 
بعد انتصارهما على نظام فولغينسيو باتستا حكم الأخوان، فيدل وراؤول كاسترو كوبا لـ50 عاما. و على الرغم من ان فيدل اشتهر عالمياً ظل اخوه راؤول في الظل لفترة طويلة،

ولا يعلم الكوبيون شيئاً كثيراً عن الحياة الغامضة لهذا الرجل الذي اصبح يدير البلاد منذ ان خضع فيدل لعملية جراحية عاجلة في امعائه في يوليو .2006 والآن من هو ذلك الرجل الذي تولى السلطة في كوبا بعد ان تنحى فيدل  عنها رسمياً؟

على الرغم من التعاون اللصيق بينهما فإن الأخوين كاسترو على طرفي نقيض في كثير من الأمور. ويعتبر فيدل زعيماً ذا جاذبية سياسية غير عادية، يكن له الكثير من الكوبيين مودة وحباً على الرغم من الصعوبات الحياتية التي يواجهونها في ظل حكمه.

اما راؤول بالمقارنة فهو لا يحب الأضواء كثيراً، ويبدو انه  قانع بالعيش في ظل اخيه، ويعتقد الكثيرون انه ينبغي عدم الاستهانة بالرجل، فراؤول البالغ من العمر 76 عاماً تنقصه جاذبية اخيه السياسية، الا انه شخص جلد ومؤثر وبراغماتي، وعند الضرورة، لا يعرف قلبه الشفقة.
 
ويسيطر على اقوى ثلاث مؤسسات في البلاد: الجيش وجهاز الأمن والحزب الشيوعي، وليس له منازع في هذا الخصوص في الأفق المنظور
.
طباعة