«دع عنك لومي».. ثعالب تنهش الثقافة

«سحقاً لحياة مبتذلة، نكرر تفاصيلها كل يوم، من دون تفكير بمعنى ما، لما نصرفه من فواتير على مائدة الوهم، ونحن نتجول في شوارع الشهوة، مستعيرين حياة أخرى لترميم أحلامنا المعطوبة»،

هذا المقطع مأخوذ من الصفحة الأولى من رواية السوري خليل صويلح الصادرة أخيرا عن دار الآداب في بيروت، والذي يصلح بشكل أو آخر أن يكون حالة من بناء شيء مع الوثيقة مع القارئ إن قبل، بأن ما سيتتبعه في الصفحات التالية هو بحق فعل ترميم لأحلام معطوبة، أو أن العطب هو بالشخصيات ذاتها والمحيط الذي تتحرك فيه،
 
على اعتبار رواية صويلح كشّافا دقيقا لفئة من المثقفين أو المتثاقفين في العاصمة السورية دمشق، وليمتد الأمر ليصلح في أغلب العواصم العربية، في إضاءة لهذه الفئة أو الطائفة أو حتى العصابة التي نجدها في المقاهي والحانات. يقدم الروائي السوري صويلح ما تقدم بسرد رشيق وطريف، ومن خلال ما يسميه فريق الثعالب التي تتخذ من حانة الكهف مقرا لعملياتها،
 
وعوالمها المبنية على مائدة ليس للكحول أن تغيب عنها، وليس للضحية التي عليها أن تدفع ثمنها أن تغيب أيضا، فهم جميعا أي الثعالب مفلسون، عاطلون عن العمل، يكتبون هنا وهناك، ويحصلون على قروش زهيدة،

وعليه تأتي أحداث الرواية متمحورة أولا حول الطرق الملتوية التي يتبعها أعضاء تلك العصابة الثقافية، والأخلاقيات التي تتسيد عوالمهم، التي تتسم بالمرونة والتكيف مع متطلباتهم، بمعنى أنهم حداثيون حتى العظم، لكنهم يصبحون مغرقين في تقليديتهم وتقديسهم للنصوص الكلاسيكية، ما دام من يشاركهم الطاولة أميل لهذا النمط من الكتابة،

وهو الذي يدفع في النهاية، ثم إن المحبة والعداوة متجاورتان، وأي خلل في علاقة أي واحد منهما مع الآخر، كفيل بدفعهما إلى تبادل الشتائم، ومن ثم إطلاق كل واحد منهما إشاعة عن الآخر يفعل المستحيل لتصل لأكبر قدر من أعضاء الوسط الثقافي، فهذا مخبر لدى المخابرات، وذاك لم يعمل في الخليج محررا صحافيا بل محاسبا..

وكان يسطو على مكافآت الكتاب الذين ينشرون في جريدته، وفي مقابل طاولة فريق الثعالب هناك شلة أخرى أطلقوا على طاولتهم «مائدة العشاء الأخير»  لسببين «الأول لوجود أكثر من يهوذا بين حوارييها، والثاني أنهم «كحولييون» في الرمق الأخير، ينتظرون اللحظة المناسبة لإعلان لافتة «انتبه..مصاب بتشمع الكبد».
 
الثعالب هم: سمير شكري، الشاعر الذي يلعب دور الزعيم المهيمن على الشلة، الذي يتصادم على الدوام مع عماد المعصراني القادر على فعل أي شيء في مقابل تحقيق مبتغاه، أي أن يتحول إلى سارق ونصّاب، كذاب وخائن، يروي قصصا حسب إملاءات خياله، وفي الوقت نفسه نجد سمير شكري قادرا على لعب كل أدوار المعصراني لكن بحنكة ومداورة أشد ذكاء.  أنس عزيز ثالث أعضاء فريق الثعالب،

غارق في عالم من الأوهام التي تحيط رجلا ممسوسا بالعادة السرية، يكتب دائما نصا متخيلا بعيدا عن الأوراق، كما يتميز بانعدام قدرته على مواجهة الواقع، وتخرج على لسانه عبارات لا نهاية لها من التنظير المجاني،
 
فهو كما يرد في الرواية «يرسل برقيات مجانية إلى سمير شكري على نحو خاص باعتباره زعيم الهامشيين، وبذلك يأمن شروره أو مقاطعته، ثم يدخل في طرق فرعية لا تؤدي إلى خاتمة سعيدة بالضرورة، إذ لابد أن يتورط في إعادة ابتكار الواقع عبر الصور».
 
ويتكلم دائما عن «العنف المشهدي، الفرضية العليا للتاريخ، والفرضية المطلقة للصيرورة». رابع الثعالب، ماهر غزال، الذي يعود إلى دمشق بعد عمله في الصحافة الخليجية، يكون أول الأمر عنصرا مهما في الثعالب، ولكن ما إن تنفد نقوده، حتى يروجون عنه بأنه «شاذ جنسيا»، وأنه «حشرة» وغير ذلك.
 
أسوأ ما في الرواية أنها واقعية، وترصد حقيقة أجواء بعض المثقفين، الذين لا يفعلون شيئا يمت للثقافة بصلة، ولعل آخر سطر في العمل يرصد أحد أبعاد تلك الظاهرة في الوسط الثقافي المتبطل والهامشي، حين ينهي الرواي سرده بـ«أكتب لك من بلاد مظلمة، دون أن يكون الجو ليلا».
 
تحمل كل شخصية من شخصيات «دع عنك لومي» مشروعا ثقافيا يتحول إلى مشروع لا تنبعث منه إلا رائحة الدناءة، مع الأخذ بعين الاعتبار أنهم أي هؤلاء المثقفين يحتكرون كل شيء، الموالاة والمعارضة، الترويض والتمرد، دون أن تتحكم بتصرفاتهم أدنى ذرة أخلاق ما دام العالم متمحوراً حولهم.