مطر دبي - الإمارات اليوم

مطر دبي

باسل رفايعة


يكاد فبراير ينتهي ولا مطر في النهارات والليالي. أخبار الطقس تذهب إلى الاحتمالات والتنبؤ عن «زخات متفرقة، وكتل هوائية»، ولكن لا ماء يسيل على الإسفلت، لا مظلات في الشوارع، لا أطفال يركضون بقبعات وملابس شتائية. كأن الغيوم تستعصي على الصحراء، وتريد للرمال هذا الجفاف، وللأفق هذا اليباس، ولنا هذا العطش.


مطر وحيد، كأنه عابر سبيل مرّ قبل نحو شهر، مكث مثل ضيف ثلاثة أيام، ولم يعد، بعدما استبشرنا فرحاً بالتنبؤات العلمية عن تغيّرات جذرية في أحوال المناخ ، قيل إنها ستؤدي إلى انقلابات غير مألوفة، إذ سيكون لمنطقة الخليج شتاءٌ ماطر، مثل حوض البحر المتوسط، تنخفض فيه درجات الحرارة، ويكون مهيأً لسقوط ثلوج، تسهم في ربيع دافئ، يعقبه صيف لطيف، قليل الرطوبة والقيظ.


 من المهم والضروري أن تعيش الشتاء فصلاً سنوياً مستقلاً، له ملامحه وبرودته وطقوسه، وتستعدّ له كل عام، كما لو أنك تنتظر قادماً لا تعرف مزاجه جيداً، فالشتاء يبدأ من خزانة الملابس، ومن هواء بارد يتسلل من ثنايا الأبواب والنوافذ، ومن غيوم تلهو في السماء، قبل أن تسيل على الأرض، وفي الروح.


للمطر مشهد خاص، وصور كثيرة، وعندما يغيب فأنت تفتقد رقص الأشجار بعد أول شتوة، ورائحة الأرض الغامضة، وصوت حبات المطر على زجاج النافذة، ولا يغيب عن كل ذلك فيروز التي تحتفظ وحدها بحق إعلان الشتاء ودعوته إلى احتفال تجتمع فيه الطبيعة والحواس.


أكثر ما يحتاجه الذين يعيشون في مدينة حديثة وسريعة مثل دبي أن يعيشوا المطر، فلا أجمل من أن تسيل الشوارع الواسعة، وتزدهي الأبراج بين انعكاسات الضوء والانهمار الغزير، وقبل ذلك سماء تسبح فيها غيوم مغدقة، وكثيرة السخاء، فتصبح رطوبة الصيف الدبقة مجرد ذكرى موسمية، وتقبل الشمس عذوبة المكان بطيب خاطر.


لنكن أكثر تفاؤلاً بتوقعات خبراء المناخ وحدوسهم عن قادم الأيام، ولنأمل بأن نكون من الأحياء حينما يكون الشتاء ضيفاً مؤكداً في دبي، ولنتخيل أن السماء في هذه المدينة ستكون ممطرة لثلاثة شهور على الأقل في السنة، فتزداد جذباً للبشر من أنحاء العالم، ويكون فيها لنشرة  الطقس معنى حقيقي، وتكتظ أسواقها ومراكزها التجارية بالمتسوقين في أكتوبر ونوفمبر بحثاً عن ملابس الشتاء، وطعامه، وشرابه.


دبي نجحت في كثير من اختبارات التكيّف في السنوات الماضية، وستكون للمطر فيها نكهة مختلفة عن الشتاءات الفقيرة التي يجوع فيها الناس، ويبردون لأنهم لا يملكون ثمن الطعام والثياب، ستتكيّف المدينة بتنوعها وتسارعها مع مطر في البر والبحر وبين آفاق الأبراج والعمارة الحديثة، وسيكون للحياة فيها إيقاع، ربما لا تجاريه المدن والعواصم القديمة. أتخيّل أن مطر دبي سيكون أكثر حداثة، لا أتوقع أن يرافقه صقيع، فأنا لا أريد أن أعيش في منزل تهدر فيه تدفئة مركزية، أو يبعث هواءً ساخناً من الجدران. أريد مطراً دافئاً يليق بمدينة شابة وعنيدة. 


أريد مطراً مختلفاً، يفتح نافذة على القصائد والحكايا والعنب.

baselraf@gmail.com

طباعة