فالنتاين بطعم إيرلندي - الإمارات اليوم

فالنتاين بطعم إيرلندي


في يوم من أيام دراستي الجامعية في السنة الأولى، نظر المدرس البريطاني نحو مصباح معطوب في الفصل، يضيء وينطفئ على التوالي في تنسيق مستفز يؤلم العين، ثم وجه إلينا سؤالاً: «برأيكم، كم إيرلندي يحتاج هذا المصباح لإصلاحه؟!». بصراحة كنت لاأزال صغيراً على فهم ما كان يقصده المدرس!

 

وصلتُ منذ بضعة أيام فقط مدينة برمنغهام البريطانية، حاملاً معي بعض الهدايا للأصدقاء هناك بمناسبة عيد الحب أو «الفالنتاين»، وخصوصاً صديقاً عزيزاً من أصل إيرلندي، وأنا شخصياً لا أجد أي حرج في تهنئة ومهاداة جميع أصدقائي من مختلف الطوائف والشعوب والملل في أعيادهم وأفراحهم طالما هم يبادلونني التهاني والمهاداة نفسها في مناسباتنا وأفراحنا، فالتهادي بين الناس بمختلف أصنافهم يوّلد المودة في القلوب ويزرع المحبة في النفوس.


وأرجو من المهاجمين الذين ينشطون كعادتهم في كل فبراير من كل عام سواء عبر الصحف أو الإنترنت أو المنشورات وغيرها من وسائل للتحذير من تبادل التهاني والهدايا بين الأصدقاء والأحبة بحجة أنها تقليعات غربية مبنّية على أساطير رومانية قديمة، أن يكفوا عن الناس ويتركوهم في حالهم، لأنهم شبعوا من تكراركم لأصل حكاية أو أسطورة الفالنتاين التي حفظناها عن ظهر قلب، بينما أغلب الغربيين ليس لديهم أدنى فكرة عن أصل أسطورة تعود إلى القرن الثالث الميلادي والتي دُست في تعاليمها الكثير من التأويلات المكذوبة والتفاسير المقلوبة، وللإنسان العاقل أن يصدق تلك الأقاويل أو يكذبها!


ولا أرى في تبادل التهاني والهدايا بين الأحبة والأصدقاء أي انسلاخ عن عروبتنا أو تنكّر لأصلنا، بل إن في ذلك وقعاً حسناً في النفس، ورقة الحس، ونبل الشخص، وسمو العاطفة.

 

عودة إلى صديقنا الإيرلندي والذي رغم عمره الستيني لايزال مشاغباً يمارس هواية التعارف مع الفتيات عبر الإنترنت، وقبل زيارتي له قام بإرسال صورتي لإحدى الفتيات الإيرلنديات من دبلن على أساس أنني هو، مع ترتيب موعد زيارة إليها إلى دبلن لتشاهد معي عرضاً مسرحياً راقصاً لإحدى الفرق التقليدية الإيرلندية الراقصة.


قلت للعجوز «أنت تريد أن تتشبب على حسابي، وتورط نفسك وتورطني معك، وهل يبدو شكلي لك بأنني غربي أو أملك الوسامة في الأقل! طبعاً لا». لكنني رضخت لطلبه من باب الصداقة فقط وسافرت منذ يومين إلى دبلن لمشاهدة العرض الإيرلندي الراقص بصحبة تلك الفتاة وأنا على مضض، كون سفري إلى بريطانيا كان لأغراض دراسية وليس للمتعة والاستجمام، لكنني لاحقاً فوجئت بمدى روعة ورقي الرقص النقري الإيرلندي على أنغام آلات الطرب بكل تجانس على الأرض، تتناغم وتتناسق الأجساد معها بكل سلاسة واحترافية وانبهار، تجعلك ولو للحظة واحدة لا تفكر في السرحان.


بعد خروجي من العرض، كتبت هذا المقال لأرسله فوراً، ثم تذكرت ذلك المدرس البريطاني الذي استهزأ بالإيرلنديين البالغ عددهم نحو أربعة ملايين نسمة، لكنهم رغم قلتهم استطاعت فنونهم الرائعة أن تحقق شهرة عالمية عجز البريطانيون عن تحقيقها! 
  
salem@dcc.ae
طباعة