أقول لكم - الإمارات اليوم

أقول لكم

محمد يوسف

  
مع الفجر يظهر ، فهذا وقته المحبب، ربما لفارق التوقيت دخل في ذلك، فهناك أربع ساعات، رنة واحدة ، فقط لاغير ، ويصمت الهاتف، فإذا برقم يبدأ بأصفار وفتح خط دولي لبلد ما، تتسـاءل من يكون هذا ، فلان الذي قال إنه سيسافر إلى المغرب العربي، أم فلان الذي يجول في إفريقيا؟ تستجمع ذاكرتك وتحاول أن تعرف أي بلد يبدأ مفتاحها بهذا الرقم  « 221» ، وتختصر المسافات والاحتمالات بضعطة على «إعادة الإتصال».


ومن حيث لا تدري يخرج عليك صوت بالكاد تسمع ما يقول، ونبرة فيها غموض وحشرجة «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته» فترد السلام فيتابع بمزيد من الخلخلة«معكم مساعد مولانا الشيخ خليل بن..... وهو معكم» ويظهر صوت غريب آخـر يـردد «أنت مسحور ، مسحور ، ونحن سـنخلصك من هذا السحر العظيم المعمول لك، معكم الشيخ خليل من السـنغال، وقد كلفت حمايتك».


لا إله إلا الله، رددتها مرات ، ثم الحقتها بـ«أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله»، أريد قوة، أريد شـيئًا من الشجاعة ، وأريد بعض السيطرة على ما بدأ  «يصطك»  ويرتجف من أطراف وأسنان وعروق ، وأنظر إلى الساعة فإذا بأذان الفجر لم يحن موعده بعد ، فقلت لنفسي  «يقولون إن العفاريت تظهر في الليل، فما بال شيخنا ومولانا هذا يظهر في وقتهم». وبعد جهد جهيد اسـتطعت أن استجمع قواي كلها ، ولا أسـتثني منها شـيئًا، حتى أقدر على النطق، أريد كلمة تخرج لهذا الصوت فترضيه، ماذا يضمن لي أنه هناك في السـنغال، ولم لا يكون هنا جالسـًا  بين ثنايا موصلات الهاتف النقال؟ قلت له مستجديًا  «يا مولانا أظنك لم تحسب فرق التوقيت بيننا وبينكم ، فنحن نقترب من موعد صلاة الفجر ، وقد كنت نائمًا، فهل تسـمح بتأجيل المكالمة إلى يوم غد، ليكون ذهني صافيا وأعرف حكاية السحر هذه التي قلتها؟».  ولم يسـتجب صاحب الصوت، بل وبّخني وأغلظ لي القول لأنني جاهل ولا أفهم أن التكليف له ساعته ودقيقتة ولحظته ، وهو ليس خيارًا يملكه المكلف له، أو المكلف به.وزيادة في أحداث الرعب هذه قال «إن السحرة هم الذين يمنعونك من الاستماع إليّ ، وأنا أحذرك فالعواقب وخيمة عليك».


فاض بي الكيل، ولا أدري إن كانت ردة فعلي صادرة عن قرار شجاع أم اسـتسلامًا لمصير مجهول، فرددت سريعًا  «أسمع، رقم هاتفك عندي، وإن احتجت إليك اتصلت» وأقفلت الخط. ولم أنتظر الأذان حتى أتوضأ وأصلي ، فليس غير السـجادة ملاذًا من «مولانا الشيخ خليل» فكان الفجر في ذلك اليوم أطول فجر في حياتي.
 

myousef_1@yahoo.com

طباعة