خبراء: التضخم عامل طارد للكوادر الماهرة


 حذر خبراء اقتصاديون من تداعيات ارتفاع مؤشرات التضخم في الدولة، بصورة قد تحول السوق المحلية إلى مناخ طارد للكوادر الماهرة من العمالة، مشيرين في تصريحات لـ«الإمارات اليوم» إلى أن «ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات والمواصلات، وكذا السلع الأساسية، أصبح يستقطع من دخل الفرد 70% في بعض الأحيان، بينما المفترض ألا تتعدى تلك النسبة 20% من إجمالي الدخل الشهري له».


ووصف الخبراء زيادة رواتب وأجور العاملين في الدولة بـ «الدواء المسكن المؤقت» للغلاء، الذي لا يستمر مفعوله سوى بضعة أشهر، ومن ثم يتبعه ارتفاع جديد في نسب التضخم، بسبب ضخ أموال إضافية إلى السوق المحلية. ولاحظ الخبراء أن المسألة «تتطلب قراراً يقضي بإعادة تقييم الدرهم الإماراتي، برفع سعره في مقابل الدولار، بحيث يصل سعر الدولار بعد التقييم إلى ما لا يزيد على ثلاثة دراهم، وهي الوسيلة الأسرع للتقليل من ارتفاع نسب التضخم»، وفقاً لقولهم.


وكانت غرفة تجارة وصناعة دبي، أبدت في تقرير لها صدر الأسبوع الماضي، قلقاً كبيراً حيال التضخم في مجلس التعاون الخليجي، وتأثيره المحتمل على قدرة تلك الدول على إنجاز مشروع العملة الخليجية الموحدة في عام 2010 المقبل، متوقعة أن «ترفع الإمارات سعر صرف الدرهم خلال فترة وجيزة»، وهو ما نادى به الخبراء، من خلال «إصدار قرار رسمي لإعادة تقييم الدرهم، ورفع سعره أمام الدولار، لاسيما في ظل ارتفاع أسعار النفط عالمياً، وزيادة الطلب في المقابل على الدرهم، وكذا في ظل عدم وجود نية حالية لفك ارتباطه مع الدولار، بحيث لا يزيد الدولار مع عملية إعادة التقييم على ثلاثة دراهم»، معتبرين أن هذه الخطوة «ستقلل من التضخم بشكل مرض».


خفض الإيجارات
بدءًا، أكد الخبير الاقتصادي فؤاد زيدان، أن «الارتفاع الحاد في أسعار العقارات والإيجارات خلق حالة من التضخم الداخلي غير المبرر، الذي انعكس على القطاعات الاقتصادية كافة، إضافة إلى الانخفاض القوي في سعر صرف الدولار، الذي أثر بشدة على عمليات استيراد المواد الغذائية، لاسيما من دول غير أميركية». لكنه استبعد تطبيق «فكرة السيطرة على الأسعار عبر كبحها من قبل جهات رسمية، من منطلق أنه يتنافى مع سياسة السوق المفتوح على العالم»، بينما رأى أن زيادة الأجور والرواتب «تحتاج للنظر فيها بصورة دورية حتى تحقق الهدف في مواجهة التضخم».


وأشار زيدان إلى أن «عنصر أسعار الإيجارات، يعتبر العنصر الوحيد الذي يمكن السيطرة عليه جيداً، فلابد من تدخل رسمي لخفض أسعار الإيجارات الحالية». ودعا المستهلكين إلى تطبيق ما سماه «ثقافة المقاطعة الشعبية للسلع والمنتجات»، كإجراء جماعي أثبت نجاحه في مناطق كثيرة من العالم، كان آخرها عندما رفعت البرازيل سعر البن المصدر إلى الولايات المتحدة الأميركية بنسبة 30%، عندها قاطع الشعب الأميركي البن البرازيلي، ما اضطر الأخيرة إلى بيعه بأقل من سعره قبل الزيادة.


وذكر زيدان أن الدولة عليها «أن تبدأ في وضع الضوابط لتخفيض الإيجارات التي ارتفعت دون مبرر، والرقابة الصارمة على التجار المستوردين، وإعادة النظر في استحقاقات الموظفين من أجور ورواتب بشكل دوري، وتخفيض رسوم الخدمات العامة بشكل أو بآخر». وأكدت دراسة غرفة دبي «وجود تفاوت في معدلات التضخم بين أعضاء المجلس يعوق من التقارب الاقتصادي، خصوصاً في ما يختص بأسعار الفائدة والصرف، متوقعة أن يقوم المصرف المركزي الإماراتي في الغالب برفع سعر الدرهم مقابل الدولار، تماشيا مع عملات دول المجلس الأخرى». 


جرعة مسكنة
من جهة أخرى، قال أستاذ الاقتصاد الكلي بكلية الاقتصاد في جامعة الشارقة، الدكتور أسامة سويدان، إن «زيادة أجور ورواتب الموظفين والعمال، ليست إلا «جرعة مسكنة وقتية» سرعان ما سيزول أثرها خلال أشهر قليلة، بينما ستتحول هذه الأموال الإضافية إلى استهلاك سلع وخدمات، ومن ثم يرتفع مؤشر التضخم مرة أخرى». وحذر من حدوث حالة من تهجير الكوادر الماهرة من سوق العمل، بعدما يرتفع مؤشر التضخم بشكل يؤدي لتراجع مستويات الأجور، «الأمر الذي سيدفع العمالة الماهرة للبحث عن أسواق بديلة مجاورة». وأضاف: «المسألة تتطلب قراراً يقضي بإعادة تقييم الدرهم الإماراتي، برفع سعر الدرهم في مقابل الدولار، بحيث يصل سعر الدولار بعد التقييم إلى ما لا يزيد على ثلاثة دراهم، وهي الوسيلة الأسرع للتقليل من ارتفاع نسب التضخم». ونبه سويدان إلى «غياب وجود الضوابط في الاقتصاد الخليجي بشكل عام، مثل الضرائب، وفي ظل غياب هذه الضوابط، تحدث قفزات في نسب التضخم».

 

فك الارتباط
قال الخبير الاقتصادي، عزت الجيطان «آن الأوان لأن تعيد الجهات الرسمية النظر في ربط العملة المحلية مع الدولار الأميركي، لاسيما في ظل اتساع رقعة الاستيراد من بعض الدول غير الأميركية، الأمر الذي تسبب في إحداث فجوة واضحة نتيجة الدفع بعملات أخرى غير الدولار الأميركي». وحذر الجيطان من أن «تدفع نسب التضخم المرتفعة هذه العمالة إلى ترك السوق المحلية والبحث عن أسواق عمل أخرى مجاورة، تتوافر فيها فرص أكبر للادخار». ولاحظ أن بعض الشركات «اتجهت اضطرارياً  إلى الاستجابة لطلبات متتالية من عمالتها، خصوصاً العمالة الفنية منها، وزادت رواتبها خلال العامين الماضيين، ما بين 15% و 25%، فيما امتد الأمر إلى شركات تجارية، الذين شملتهم زيادة خلال الفترة نفسها، تقدر بنسبة تتراوح ما بين 20% و40%، إذ إنهم لا يتمتعون بميزة تأمين السكن العمالي كما هو الحال في شركات المقاولات والإنشاءات، إلا أن هذه الزيادة«لم تعد مجدية في مواجهة التضخم وغلاء الأسعار، بينما تدرس جهات رسمية إصدار قرار لوضع حد أدنى لأجور العمالة الفنية».


هجرة العمالة
رأى الخبير المصرفي، معبد الجارحي، أنه «على الدولة أن تنظر في البيئة الاقتصادية من حـــيث التوازن بين مؤشرات التضخم والأسعار، إذا كانت تريد الاحتفاظ بالعمالة الماهرة لـــديها، فالراتب والأسعار من أهم عناصر اجـــتذاب العمالة للسوق المحلية»، مضيفاً أن «الـــدولة اكتسبت سمعة كبيرة كونها موطن جذب للعمالة، بينما ارتفاع الأسعار من حيث الســكن والمواصلات وأسعار السلع الأساسية، تتسبب في الضغط على هذه الفئات العاملة، بصـــورة قد تـــدفعها إما للإنفاق دون توفير، أو الذهاب للبحث عن دول أخرى أقل تضخماً وأكثر توفيراً».