هل انحسرت أهمية الشعر؟ - الإمارات اليوم

هل انحسرت أهمية الشعر؟

 


  كان الشعر ديوان العرب الذي يؤرخ لأمجادهم ومفاخرهم كما يؤرخ لانتكاساتهم وهزائمهم، وكان الشعر صوتاً للسياسي ورجل الدين والقانون، ناهيك عن تخليده لقصص الحب ومصارع العشاق ومعاناتهم. واليوم كيف يمكن رؤية وظيفة الشعر؟ وهل انحسرت أهميته في ظل وجود وسائل إعلام متعددة وطرق إبداعية أخرى؟ يتكرر طرح مثل هذا السؤال في مناسبات مختلفة، ويبدو الشعراء أكثر قلقاً كلما توغل البشر في استخدام الوسائط الرقمية والتفاعل مع ثورة المعلومات، والانهماك في متابعة الأفلام السينمائية وأغاني الفيديو كليب عبر القنوات الفضائية التي اقتحمت كل بيت.
لا شك في أن مختلف الفنون الإنسانية تتأثر بالتحولات الزمنية، وتتبدل آلياتها التعبيرية وقوانينها الداخلية، كما تتغيّر وظائفها، لكنها لا تفقد أهميتها، وسيظل فن الشعر يستمد شروط بقائه من حتمية الوجود الإنساني ومن استمرار حاجة الإنسان الدائمة للتعبير عن ذاته بكل عذاباتها ومسراتها الفردية والجماعية. والشعر كجوهر، لم، ولن، يفقد أهميته، بل إنه أصبح يمتلك أشكالاً أخرى تلبّسها وتلبّسته، ها هو يتسلل إلى اللقطة السينمائية، واللوحة التشكيلية، والصورة الفوتوغرافية، والقصة القصيرة، والرواية، حتى وصل إلى اليوميات والخواطر التي يكتبها المدونون البسطاء في نوافذهم الشخصية على الإنترنت.
 
وبتعدد قوالب الإبداع، إلى جانب ظهور وسائل الإعلام المختلفة، يمكن القول بتبدل وظيفة الشعر ومغادرته لوظيفته الشمولية التي كانت تتجسد في مقولة (الشعر ديوان العرب) إذ لم تعد القصيدة اليوم معنية بالتأريخ للهزائم والانتصارات الجماعية، بل أصبحت معنية بهزيمة الذات وعزلتها وسط الضجيج المتعدد للعالم الذي يتطور باتجاه تدمير كل ما له صلة بكينونة الإنسان، هذا الكائن الذي لا يستطيع العيش على هذا الكوكب دون أن تحركه طاقة الحب وجنون الشعر، ما دام يتنفس ويتأمل ما حوله وما بداخله من حدائق ومعارك.
 
 لكن الوظيفة الجديدة للشعر قد لا تنطبق على التجارب الشعرية التي لاتزال معنية باستدرار تصفيق الجمهور، كما أن الدراسات النقدية التي ترصد مسار تطور الشعر تسقط من حساباتها مثل هذه التجارب، وتصنفها ضمن مرحلة سابقة، تجاوزتها اللحظة الشعرية الراهنة بمراحل عدة. إن التحولات التي فرضت نفسها على الشعر جعلت النص الجديد يلتفت إلى ذات الشاعر الذي انشغل أسلافه بالقضايا الكبرى وبالتصفيق وبعطايا الخلفاء والملوك والأمراء، ولم يعد بمقدوره تمثيل دور المهرج أو المدّاح، رغم احتفاظ البنية الاجتماعية والثقافية العربية بوظيفته حتى اليوم. 
  slamy77@gmail.com
طباعة