عالم نفس: عدم القيام بشيء له معنى يساوي في مخيّلة المرء أنه نفسه بلا معنى

الإرهاق والملل من العمل.. اختلفت المتلازمتان والأعراض واحدة

صورة

قد يبدو توافر الكثير من وقت الفراغ أثناء فترة العمل أمراً ممتعاً، إذ يتيح ذلك للمرء أن يشاهد لساعات مقاطع الفيديو المحببة لديه على موقع «يوتيوب» مثلاً، أو أن يقوم بتقليم أظافره بدلاً من أن يتعجّل للتنقل بين الاجتماع والآخر، أو أن يكافح من أجل الوفاء بتسليم ما هو مطلوب منه قبل انتهاء المواعيد المحددة. ولكن مثلما يمكن أن يسبب الإفراط المزمن في العمل الشعور بالإرهاق، فمن الممكن أن تتسبب قلة العمل المزمنة أيضاً في الشعور بالملل.

ويعاني الأشخاص المصابون بمتلازمة الملل من الأعراض نفسها التي يعانيها المصابون بمتلازمة الإرهاق، إذ يشعرون بالإنهاك والكسل والفراغ. ومن المفارقات أن الملل يعد مرهقاً للغاية، خصوصاً عندما يحاول المرء أن يبدو مشغولاً، بينما لا يكون مثقلاً بمهام شاقة إضافية، أو لإعطاء انطباع بأنه غارق بالفعل في عمل مهم.

ويقول عالم النفس في قطاع الأعمال، أندرياس هيمسينج، إن «عدم القيام بأي شيء له معنى يعني (في مخيلة المرء) أنه نفسه ليس له معنى»، مشيراً إلى أن هناك الكثير من الأشخاص الذين تكون لديهم حاجة قوية للقيام بعمل هادف، والقيام به بصورة جيدة.

ويضيف أن الفكرة القائمة على أنه «في حال لم يعمل المرء فإنه سيفقد مكانته في المجتمع» لها آثار صحية، موضحاً أنه «من الواضح منذ أعوام كثيرة أن الشعور بالفراغ الداخلي يسبب أضراراً عاطفية»، حيث إن المرء لا يشعر بالملل واللامبالاة فحسب، ولكنه يشعر أيضاً بالاستياء والإحباط، وبأنه على حافة الهاوية.

ولا تقتصر هذه المشاعر على مكان العمل فحسب، إذ «يظهر الملل تأثيره السيئ بعد انتهاء العمل»، بحسب بيتر آر فيردر، الذي قدم المصطلح مع مستشار الأعمال السويسري فيليب روثلين، في عام 2007 في كتاب صدر باللغة الألمانية يحمل اسم «قلة العمل.. التشخيص هو الملل.. عندما يتسبب الشعور بالملل في جعل المرء مريضاً».

من ناحية أخرى، يترك كثير ممن يعانون الملل وظائفهم لأسباب عاطفية في مرحلة ما، ويتطور لديهم نوع من القبول المستسلم لظروف عملهم، بحسب ديرك فيندموت، وهو مدير معهد العمل والصحة التابع لاتحاد التأمين ضد الحوادث الاجتماعية الألماني، وهي جمعية مظلة تضم شركات تأمين معنية بدفع تعويضات للعاملين في القطاع الصناعي الخاص والقطاع العام.

بعبارة أخرى، يعرفون أن وظيفتهم في الواقع ما هي إلا هراء، ولكنهم يقولون لأنفسهم: «لا بأس. فأنا ليست لدي أي مشكلات؛ إذ أحصل على إجازات منتظمة وأجني قدراً جيداً من المال». إلا أنهم لا يخدعون إلا أنفسهم، وهو الأمر الذي لا يفلح على المدى الطويل.

ويقول فيندموت إنه بدلاً من التقليل من أوجه القصور المتعلقة بالوظيفة، من الأفضل تغيير الأمور. ومن الممكن تحقيق ذلك فقط من خلال أن يكون المرء صادقاً مع نفسه، وأن ينقل مخاوفه إلى رئيسه في العمل. ويضيف فيردر: «عالج المشكلة، قم بتغيير مهامك داخل الشركة، واحصل على المزيد من التدريب، أو اترك وظيفتك. تلك هي الخيارات المتاحة أمامك، ولا يعد أي منها غاية في السهولة» لاسيما لأن المرء يزاول - على الأرجح - عمله الحالي لفترة كبيرة من الوقت.


الانسحاب في المساء

لا يمكن للمرء أن يقوم ببساطة بإلغاء مشاعره مثلما يقوم بإطفاء الأنوار عندما يغادر المكتب مثلاً.

ولا يدرك كثيرون أن شعورهم بالضيق والفتور والتهيج والتعب والانسحاب في المساء، قد يكون مرتبطاً بعملهم. 

طباعة