سياحة في كبرى المدن السويسرية

زيورخ.. جنة من عالم الأساطير

بحيرة زيورخ تجعل من المدينة جنة مائية. د.ب.أ

يمكن أن يكون الطقس في زيورخ، كبرى المدن السويسرية، خلال فصل الشتاء رطباً، بشكل يروق فقط للنخيل وزهور الأوركيد، وكذلك الخفافيش العملاقة. وتحب هذه الحيوانات الحياة في صالة الغابة المطيرة بحديقة حيوان زيورخ؛ ففي الخارج يسود على العكس من ذلك طقس بارد كالثلج.

وتشتمل اللافتة الموجودة بنهاية الممر المؤدي إلى صالة ما في حديقة الحيوان على تحذير من درجة الرطوبة، وبينما تتبختر طيور البطريق على الجليد الذي يكسو أرضية الحديقة في الخارج، تسود داخل صالة في المنطقة الواقعة بين نباتات الخيزران وأشجار الموز، درجات حرارة يرغب السائح معها في ارتداء «تي شيرت».

ويسمع السائح أصوات صراخ ونقيق وصرير تصدر من جميع الجهات، وعندما يرفع السائح نظره إلى أعلى، يشعر وكأنه يوجد في مناطق استوائية حقيقية. ويسمع السائح أصوات زمجرة القرود، ولكنه لا يراها أبداً. ولكن ما الذي يراه السائح؟ إنه يرى سقفاً زجاجياً يكسوه الجليد، وفي هذه اللحظة يرى اثنين من الخفافيش العملاقة يحلقان أسفل السقف، ويحط أحدهما على أحد الأغصان، ويتدلى منه مقلوب الرأس.

وتعيش مئات الأنواع من الحيوانات في صالة الغابة المطيرة، خصوصاً الحيوانات الصغيرة مثل ضفادع الطماطم حمراء اللون و«أم أربعة وأربعين» والسحالي والطيور، وإلى جانب هذه الكائنات يمكن للسائح مشاهدة سلاحف عملاقة أو خفافيش أو ليموريات وهي تتسلق قمم الأشجار، وليس هناك في زيورخ مكان أفضل من تلك الصالة حينما يشتاق المرء في أشهر الشتاء ذات البرد القارس إلى الصيف والمناطق الاستوائية.

حمامات مائية

غير أن أهم ميزات زيورخ تتمثل في بحيرتها، التي تجعل منها جنة مائية، ووفقاً لإحصاءات هيئة السياحة تضم زيورخ 1200 عين ماء، وأكثر من 40 حماماً. وبذلك تكون زيورخ أكثر مدن العالم كثافة من حيث الحمامات المائية، لذا فلا عجب أن يفضل سكان زيورخ قضاء أوقات فراغهم في الصيف على شواطئ البحيرة. ولكن أين يذهب المرء خلال الشتاء حينما تقوم حمامات البحيرة والحمامات النهرية بإزالة المظلات الشمسية والكراسي الشاطئية وتضع أدوات إزالة الثلوج أمام أبوابها؟

ولا يمكن ممارسة التزلج على الجليد في بحيرة زيورخ لأنها لا تتجمد إلا نادراً. وبذلك يستطيع المرء أيضاً الاستمتاع بالحمامات في الهواء الطلق حتى في فصل الشتاء؛ فحمام «إنغه» على الضفة الشمالية الغربية يفتح خلال الشتاء أبواب الساونا المطلة على البحيرة «ساونا أَم زيه». ومن غرف الساونا ذات النوافذ الزجاجية المطلة على البحيرة ذات المياه الزرقاء الداكنة، تلوح في ظل جو صاف جبال الألب في الأفق. ومَن يرغب في تبريد جسمه بعد أخذ حمام ساونا، يمكنه أن يشق طريقه عبر الثلوج التي تكسو الممشى الخشبي للحمام، ويقفز في المياه الباردة كالثلج إذا وجد في نفسه القدرة على القيام بذلك.

ويُعد الاستجمام في زيورخ تقليداً يضرب بجذوره في أعماق التاريخ؛ إذ جلب الرومان ثقافة الاستحمام التي يشتهرون بها معهم، حينما استوطنوا هذه المنطقة التي كانوا يطلقون عليها اسم «توريكوم». وفي الممر الواقع بين حارة «شلوسيلجاسه» وفندق «هوتيل تسوم شتورشن» تُمكن رؤية أطلال حمام روماني مُقام حول ينبوع ساخن. ومن خلال لوحات العرض يمكن معرفة أن الحمامات في العصر الروماني لم تكن تحظى بالهدوء والسكينة؛ ففي أحد الخطابات يشتكي الفيلسوف الروماني الشهير «سنيكا» من المدلكين غير الأكفاء الذين يقرعون بأيديهم على الجسم بدلاً من تدليكه بنعومة ورفق، وكذلك من تجاذب مرتادي الحمام أطراف الحديث بأصوات عالية وصراخهم المدوي أثناء التدليك.

دفء وراحة

تخلو حمامات البخار في زيورخ من كواليس الضوضاء هذه؛ فالحمام الشرقي في حارة «مونسترجاسه» وسبا «اسيا» في مركز للتسوق والترفيه على سبيل المثال يعدان روادهما بالدفء والراحة والاسترخاء. وإلى جانب الاستجمام تقدم زيورخ المكسوة بالجليد لزوارها إمكانات عدة لممارسة الرياضات الشتوية؛ إذ تضم بعض مراكزها حلبة تزلج مفتوحة ذات مساحة شاسعة، فعلى مساحة 6000 كيلومتر مربع من الجليد الاصطناعي يتقابل لاعبو هوكي الجليد وعشاق التزلج الفني وكذلك هواة التزلج على الجليد. وفي المبنى المجاور توجد صالة لممارسة رياضة «الكيرلنج» التي تُعد من أشهر الرياضات الشتوية.

وبالإضافة إلى ذلك تضم زيورخ 70 درباً ومضماراً لممارسة التزلج بالمزالق. أما مَن يبحث عن التسلية والترفيه داخل أماكن مغلقة مدفأة، فتقدم له زيورخ باقة واسعة من العروض الثقافية؛ إذ يجد أكثر من 50 متحفاً وأكثر من 100 غاليري تضم معارض دائمة ومعارض خاصة على أعلى مستوى يتم تنظيمها بين الحين والآخر. وينبغي ألا يفوت عشاق الفن زيارة دار الفن في زيورخ ومتحف ريتبيرغ الذي يعرض فنوناً من آسيا وإفريقيا وأميركا والأوقيانوس.

وينبغي على الأشخاص الذين ليسوا من هواة الشتاء ألا يقعوا في خطأ الاكتفاء فقط بالعروض داخل الأماكن المغلقة؛ فمن يخرج في جولات تنزه في الطبيعة يعش لحظات ساحرة، ومن أمثلة هذه الجولات الخلابة التنزه ليلاً بمحاذاة الضفة غير المأهولة من بحيرة زيورخ؛ إذ يشعر السائح كما لو كان يتجول في جنة شتوية من عالم الأساطير والخيال.

وهناك لا يسمع السائح سوى صوت النفس الذي يستنشقه ودبدبة خطواته، وحينها لن يتوق بعد ذلك لسماع أصوات القرود في الغابات الاستوائية.

طباعة