ظروف اقتصادية تدفع أزواجاً إلى تأخيره أو الاكتفاء بطـفل

الإنجاب.. قرار مؤجـل بـ «التراضي»

العائلة الصغيرة ملمح فرضته ظروف العصر. غيتي

بات الإنجاب، أخيراً، لدى أزواج جدد، من القرارات التي تؤجل، إذ يعمد شركاء حياة بـ«الاتفاق والتراضي» إلى الانتظار لفترة قد تمتد من عام الى خمسة أعوام أحياناً، حتى ينجبوا الطفل الأول الذي قد يكتفون به، أو أنهم قد يحتاجون إلى فترة مشابهة، لإنجاب الطفل الثاني في الأسرة. وتعد متطلبات الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وكذلك الجهد في رعاية الأطفال أحد الأسباب الرئيسة التي أدت الى تزايد ظاهرة العائلات الصغيرة أو الاكتفاء بطفل واحد، سيما أن المرأة اليوم دخلت سوق العمل، وترتب على ذلك مسؤوليات لا تقتصر على الأسرة فقط.

قالت اللبنانية كاتيا جبور (متزوجة منذ ستة أشهر) إن «متطلبات الحياة زادت في الوقت الحالي، بالإضافة الى تقدم سن الزواج عند الشباب والفتايات، وهذا يجعل قرار تكوين العائلة أحيانا يؤجل، أويقتصر على طفل واحد أو طفلين حداً أقصى»، مشيرة إلى ان قرار انجاب الطفل الأول غير وارد لديها في المرحلة الأولى، ولا يمكن ان يتم قبل مرور عامين على زواجها، لافتة إلى ان قضاء الفترة الأولى من الزواج من دون اطفال فرصة للثنائي كي يتعرفا أكثر إلى طباعهما، وكذلك كي يتمكنا من الاستمتاع بحياتهما قبل تحمل المسؤوليات.

صداقة شريكَيْ حياة

أكد عميد كلية الآداب والعلوم الاجتماعية في جامعة الشارقة، الدكتور أحمد العموش، أن الظروف الاجتماعية والعلاقات تغيرت في العصر الذي نعيشه، والذي يعتبر عصر انتقال الأسرة العربية من الأسرة الممتدة الى الأسرة النواتية، مشيراً الى أن الكثير من الأزواج يبحثون عن صداقة مع الزوجة، فهم لا يريدون الاكتفاء بأن تكون المرأة زوجة، ولهذا يؤخرون الانجاب.

واعتبر العموش أن الثنائي الحديث يفكر في نفسه قبل أن يفكر في أبنائه، بخلاف الجيل القديم الذي كان يحرص على الأبناء «فتأخير الإنجاب فيه الكثير من الجوانب السلبية وكذلك الإاجابية، وتنظيم النسل يدخل ضمن الجوانب الايجابية، بينما تحديد النسل بطفل واحد يعد من الأمور السلبية»، لافتاً إلى أن الإنجاب يعد مسؤولية أبوية بالدرجة الأولى، ثم مسؤولية اجتماعية وكذلك اقتصادية لما يتطلبه الطفل من رعاية.

أما أكثر فترة نصح فيها العموش الثنائي بالانتظار حتى انجاب الطفل الأول، فهي عامان «لأنه بعد مرور تلك الفترة يدخل الزوجان في مرحلة من الفتور في العلاقة، فيما الطفل يقرب بينهما»، مشدداً على أن متوسط عدد الأطفال في العائلة يجب أن يكون ثلاثة، ناصحاً الأزواج بعدم الاكتفاء بطفل واحد لما لذلك من أثر سلبي في الطفل. أما الفارق العمري بين الأطفال، فبحسب العموش يجب أن يتراوح بين ثلاث وست سنوات، لأن الفارق العمري بين الأب والابن يجب ألا يزيد على 35 عاماً، فمرحلة الإنجاب يجب أن تكون في العشرينات وبداية الثلاثينات.

واضافت جبور ان «الوجود في الغربة يجعل الثنائي غير قادر على انجاب الكثير من الأطفال؛ لأن الأمر يحتاج الى مساعدة من قبل الأهالي، وهذا غير متوافر لنا كمغتربين».

متطلبات

الأردني عمر هشام، رأى أن الزواج نفسه أصبح من القرارات التي يتأخر الشباب في اتخاذها بسبب متطلبات الحياة الاقتصادية الصعبة، ولأنه يجب أن يتمتع المرء بالاستقرار قبل اي شيء، فغالباً ما تكون السنة الأولى فترة اكتشاف للآخر، معتبراً ان تأخير قرار الزواج من الأمور المهمة ليتعرف الثنائي إلى بعضهما بعضاً، كي لا يحدث اختلاف في الآراء، وكذلك كي لا يصلا الى اتخاذ قرار الانفصال بعد الإنجاب.

ولفت هشام الى أن المسؤوليات التي تترتب على الزوجين بعد انجاب الطفل الأول تصبح كثيرة، وبالتالي تبعد الطرفين عن بعضهما البعض، لذا لابد من تقوية العلاقة قبل الإنجاب.

أما المصرية سارة شاهين، فذكرت أنها انجبت الطفلة الأولى بعد زواجها بفترة قصيرة، إذ حملت بعد مرور ما يقارب الستة أشهر من زواجها، فتأخير انجاب الطفل الثاني هو المهم بالنسبة اليها، إذ تجد التربية مرهقة، وعملية تحتاج إلى الكثير من الجهد من قبل الأم، لاسيما انها تعيش في غربة بعيداً عن أهلها، وقالت ان «كثرة الأبناء في الأسرة تحتاج إلى مساعدة من قبل الأمهات، ولهذا لا يمكن أن تنجب الأم اكثر من ولدين، في الظروف المعيشية الصعبة»، لافتة الى انها لا تحب الاعتماد على الخادمات في التربية والعناية، وهذا يعتبر من الأسباب التي تجعلها غير قادرة حاليا على اتخاذ قرار انجاب الطفل الثاني.

 عدم استعداد

بينما أكدت المصرية ماريان، التي أنجبت طفلتها الأولى بعد الزواج مباشرة، أنها غير مستعدة حالياً لإنجاب الطفل الثاني، على الرغم من بلوغ طفلتها العام الرابع، مشيرة الى أن خيار الاستقرار بعيداً عن الأهل يصعب فكرة الإنجاب المتكرر، لأن التربية تكون أكثر إرهاقاً.

من جهته، لفت السوري عصام جمال، الى وجود فئة كبيرة من الشباب الذين يتزوجون وهم في سن صغيرة، الأمر الذي يجعلهم يؤجلون قرار الإنجاب، مشيراً الى أنه سعى الى توفير الاستقرار الأسري قبل انجاب طفلته الأولى، معتبراً أن العدد المثالي للأسرة اليوم هو ثلاثة أفراد «لأن تربية الأطفال تتطلب الكثير من الجهد. والانجاب يعد مسؤولية صعبة بالنسبة لكثيرين، ولهذا يعمل الجيل الجديد ذو الانشغالات الكثيرة على تأخيره».

أما السورية ماريا طراف، فذكرت أن قرار الإنجاب بالنسبة للمرأة يتطلب النضج والوعي، ولهذا تؤجله كثيرات من المتزوجات ليتمكن من تربية الطفل بشكل جيد، مشيرة الى أنها أنجبت الطفلة الأولى بعد مرور ثلاث سنوات على زواجها، مؤكدة أنها لن تقوم بإنجاب طفل آخر إلا بعد بلوغ طفلتها العام الثالث، نظراً لما تحتاج إليه الرعاية من وقت واهتمام.

وقالت المصرية غدير شداد، التي أنجبت طفلتها بعد الزواج مباشرة، ان «اتخاذ قرار الإنجاب كان سهلاً في البداية، ولكن بعد تجربتي مع الأمومة لا أعتقد أن فكرة إنجاب الطفل الثاني سهلة علي، فلدي الكثير من المسؤوليات، كما أن الظروف الاقتصادية والحياتية لا تساعد على الإكثار من الأطفال».

طباعة