مختصون يعتبرونها أفضل موقع للغوص في العالم

شواطئ موزمبيق.. سـباحة مـع الحيتان

أسماك قرش الحوت يمكن متابعتها في شواطئ موزمبيق طوال العام. د.ب.أ

يقف مدرب الغوص أكسندري يراقب سطح الماء بانتباه بالغ، وليس هناك شيء يتحرك، ويحبس جميع الأشخاص على متن قارب الغوص المطلي باللون الأزرق والرمادي أنفاسهم، وينتابهم قلق وتوتر شديد، كما أنهم يراقبون الوضع بتلهف كبير في أحد شواطئ موزمبيق المميزة ، إذ إنها من مواقع الغوص القليلة في العالم التي تضمن للسياح التمتع بمشاهدة قرش الحوت. وفي هذه اللحظة يتوجه أكسندري ببطء نحو الشاطئ، ويقول: «هناك، حيث تنكسر الأمواج، تطفو أسماك قرش الحوت على سطح الماء، نظراً لوجود الكثير من العوالق والطحالب التي تعتبر غذاءها المفضل».

ويراقب الأشخاص الموجودون بتلهف سطح الماء الذي لا يعكر صفوه شيء. وتمضي بضع دقائق أخرى، حتى تنطلق صرخة مدوية من أحد الركاب الموجودين على متن القارب، مشيراً إلى الجانب الأيمن وهو يقول: «إنها هناك!»، فينطلق أكسندري متسارعاً بالقارب.

وكان هناك أربعة ظلال ضخمة وكبيرة الحجم بشكل مخيف تتحرك بجوار القارب، على بعد خمسة أمتار فقط. ومن هذه المسافة القصيرة بدت ظهورها السوداء ذات البقع البيضاء بوضوح، إنها أسماك قرش الحوت!

وتظهر على القارب حالة من الهرج والمرج، حيث لا يتمكن معظم الأشخاص من ارتداء زعانف السباحة بسرعة كافية. كما أن البعض الآخر يكون متحمساً للغاية لدرجة أنه ينسى وضع القناع على وجهه قبل أن يقفز في الماء بسرعة. وبقلق شديد يبدأ ثلاثة من السباحين بمتابعة أسماك قرش الحوت عن طريق السباحة خلفها بطريقة السنوركلينغ. ولا يتسبب ذلك في حدوث أي إزعاج لهذه الأسماك الضخمة ولا يخرجها عن هدوئها المعتاد، كما أنها تتحرك تحت سطح الماء بشكل مريح وتقوم بتصفية العوالق والطحالب من المياه بأفواهها الضخمة.

حجم

تسبـح أسماك قرش الحوت ببطء شديد، لدرجة أن غواصاً تخطى إحدى الأسماك لكي يلتقط صورة لفمها المفتوح بدرجة كبيرة، ولم يكن يفصل بين الاثنين سوى نصف متر فقط. غير أن سمكة قرش الحوت نظرت إليه بعينيها الصغيرتين للغاية بلا اكتراث. ويقول الغواص «تعجز الكلمات عن وصف شعور السباحة بجانب أكبر سمكة في العالم»، إذ يبلغ طول أسماك قرش الحوت 10 أمتار تقريباً وقد يصل وزنها إلى 12 طناً. وعلى الرغم من ذلك فإنها تسبح في الماء بسهولة وأناقة تثير الإعجاب بالقدر نفسه الذي يثيره حجمها تقريباً.

وتعد مقابلة أسماك قرش الحوت منتهى آمال أي غواص. وليس من الضروري أن يكون السائح قادراً على الغوص كي يشاهدها، ولكن من الأفضل أن يراقبها من فوق سطح الماء من خلال السباحة بطريقة السنوركلينغ. ومع ذلك نادراً ما تظهر هذه الأسماك العملاقة أمام قناع السباحين. وتُعد موزمبيق من مواقع الغوص القليلة في العالم التي تضمن للسياح التمتع بمشاهدة قرش الحوت. ويؤكد مدرب الغوص أكسندري ذلك، قائلاً «لم يحدث من قبل أن عاد أحد الغواصين إلى بلاده من دون أن يشاهد أسماك حوت القرش».

ويمكن متابعة أسماك قرش الحوت العملاقة قبالة شواطئ موزمبيق طوال العام، كما أنه من المرجح مشاهدتها في الفترة ما بين شهري أكتوبر وأبريل بنسبة تزيد على 90٪. ويرجع السبب في ذلك إلى أن مياه المحيط الهندي الصافية في مضيق موزمبيق الذي يفصل ما بين مدغشقر والساحل الجنوبي الشرقي لقارة افريقيا يزخر بكميات هائلة من العوالق التي تعتمد عليها هذه الأسماك الضخمة في تغذيتها بصفة خاصة.

«مانتا كوستا»

بيئة بحرية

 

مازالت موزمبيق تنعم ببيئة بحرية سليمة لم تمتد إليها يد الإنسان العابثة، إذ لا ينتشر الغوص هنا بأعداد كبيرة. وصحيح أن السواحل الممتدة على المحيط الهندي بطول 2700 كيلومتر والشواطئ البيضاء المنعزلة والشعاب المرجانية الملونة تجتذب مزيداً من السياح كل عام، إلا أن السياحة في موزمبيق تنمو ببطء. فعلي الرغم من روعة البيئة البحرية تحت الماء التي تنعم بها موزمبيق، إلا أنها لم تقدم في الواقع الكثير للسياح على الأرض باستثناء بعض الشواطئ المنعزلة. يشار إلى أن البلاد قد عصفت بها حرب أهلية دموية استمرت لعقود أتت على الأخضر واليابس.

أشارت كل مجلات الغوص تقريباً إلى أن الشعاب المرجانية، لاسيما الواقعة قبالة القرى الساحلية الصغيرة توفو وبارا في جنوب موزمبيق، تعد أفضل مكان للغوص في العالم، ولا يرجع سبب ذلك إلى رؤية أسماك قرش الحوت فقط، ولكن لمتابعة أسماك المانتا المعروفة باسم شيطان البحر أيضاً. ويطلق السكان المحلييون على الشريط الساحلي اسم «مانتا كوستا».

وأثناء ذلك تكون التوقعات مرتفعة للغاية ويتم تحقيقها في معظم الأحيان، إذ يمر سرب مكون من تسع من أسماك المانتا العملاقة مثل الأشباح أعلى الغواصين على عمق 30 متراً فوق الشعاب المرجانية «قلعة العمالقة»، ويتسبب هذا المرور السريع في حجب أشعة الشمس لوهلة قصيرة.

ويمكن أن يصل طول الجناحين في نوع أسماك «الورنك» إلى سبعة أمتار ووزنها إلى طنين. وفي بعض محطات التنظيف العديدة مثل «مانتا ريف» المشهورة عالمياً تتاح للمرء فرصة رؤية 10 أو أكثر من أسماك «شيطان البحر» المسالمة في الوقت نفسه، وكيف تقوم أسماك «الراس» ذات الشفرة البارزة بتنظيفها. إنها حقاً تجربة لا تنسى مهما طال الزمن.

ومن الأمور المثيرة للإعجاب أيضاً مشاهدة أكبر الكائنات البحرية على وجه الإطلاق، التي يمكن العثور عليها أيضاً قبالة سواحل موزمبيق، ألا وهي الحيتان الحدباء. ويأتي هذا النوع من الحيتان إلى المنطقة، خصوصاً في الفترة من يوليو إلى أكتوبر لكي تضع صغارها. وعلى الرغم من أنه غير مسموح بالغوص أو السباحة بطريقة السنوركلينغ بالقرب من هذه الأسماك الخجولة، إلا أنه يمكن مشاهدتها أيضاً عن قرب بشكل جيد من القارب أو حتى من الشاطئ.

وبالكاد لا يوجد هناك موقع غوص آخر يقدم مثل هذا التنوع في الأسماك الضخمة مثلما تزخر به موزمبيق. فإلى جانب أسماك قرش الحوت والحيتان الحدباء وشيطان البحر وأسماك الشفنين النسر والدلافين والسلاحف تمرح هنا أيضاً أسماك الهامور الضخمة والباراكودا، وكذلك أسماك القرش ذات الزعنفة البيضاء والقرش الثور والقرش الفهد. كما أن منطقة الغوص الواقعة بالقرب من «بونتا دو أورو» جنوب موزمبيق تحتبس لها أنفاس الغواصين وتتسارع دقات قلوبهم من روعة ما يشاهدونه. فضلاً عن أن منطقة «ديب سي بيناكل بونتا» تزخر بأنواع كثيرة من أسماك القرش التي يتعذر وجودها في أي بقعة أخرى من العالم، حيث يسبح هنا حول أسراب أسماك التونة الضخمة كل أنواع أسماك القرش تقريباً التي تمتلك فكاً قوياً وأسناناً حادة، بدءاً من قرش الثور مروراً بقرش النمر وقرش المطرقة وصولاً إلى القرش الأبيض.

طباعة